الشريف المرتضى
486
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
يريد ب « معدودات » محصورات مضبوطات ، كما يقول القائل : أعطيته مالا معدودا ، يعني أنّه محصور مضبوط متعيّن ، وقد ينحصر الشيء وينضبط بالعدد وبغيره ، فهذا وجه ؛ أو يريد بقوله : مَعْدُوداتٍ أنّها قلائل ، كما قال تعالى : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ « 1 » يريد أنّها قليلة . وهذان التأويلان جميعا يسوغان في قوله تعالى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ « 2 » . فأمّا قوله : « ان المعدود من العبادات محفوظ بعدده محروس بمعرفة كميته ، لا يجوز عليه تغيير ما دام فرضه لازما » فهو صحيح ، لكنّه لا يؤثّر في موضع الخلاف في هذه المسألة ، لأنّ العدد إذا كان محفوظا بالعدد مضبوط الكميّة إنّ هذا المعدود المضبوط إنّما عرف مقداره وضبط عدده ، لا من طريق الرؤية بل من الطريق الذي يدعيه أهل العدد ، فليس في كونه مضبوطا معروف العدد ما يدلّ على الطريق الذي به عرفنا عدده وحصرناه ، وليس بمنكر أن يكون الرؤية هي الطريق إلى معرفة حصره وعدده . ثم من أين صحّة قوله « 3 » : « وأنّه محصور بعدد سالم من الزيادة والنقصان » فليس في قوله تعالى : أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أنّها لا تكون تارة ناقصة وتارة زائدة ، بحسب ما يدلّ عليه الرؤية ، وإنّما تدلّ على أحد الأمرين اللذين ذكرناهما ، إمّا معنى القلة ، أو معنى الضبط والحصر . وليس في كونها مضبوطات محصورات ما يدلّ على أنّها تكون تارة زائدة وتارة ناقصة ، بحسب الرؤية وطلوع الأهلة . فأمّا انتصاب قوله تعالى : أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فقد قيل : إنّه على الظرف ، كأنّه قيل : الصيام في أيّام معدودات ، كما يقول القائل : أوجبت علي الصيام أيام حياتي وخروج زيد يوم الخميس .
--> ( 1 ) سورة يوسف ، الآية : 20 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 203 . ( 3 ) يعني به قول صاحب الكتاب الذي ردّ السيّد عليه في هذه الرسالة .