الشريف المرتضى

460

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

حجّة وصوابا على ما ألزمتموناه ولا يكون إجماع جميع أهل كلّ عصر كذلك ؟ لأنّ هذا ممّا لم ينكر كما لم يكن منكرا عند خصومنا أن يكون إجماع أهل العصر حجّة وصوابا ، وإن لم يكن اجتماع كلّ فرقة من فرقهم كذلك . فإن قيل : بأيّ شيء يشهد جميعهم ، وهم لا يصحّ أن يشاهدوا كلّهم شيئا واحدا فيشهدوا به ؟ قيل : قد تصحّ الشهادة بما لا يشاهد من المعلومات ، كشهادتنا بتوحيد اللّه عزّ وجلّ ، وعدله ، ونبوّة الأنبياء عليهم السّلام إلى غير ذلك ممّا يكثر تعداده . ولو قيل أيضا : فعلى من تكون الشهادة إذا كان المؤمنون جميعا في الأعصار « 1 » هم الشهداء ؟ . قلنا : تكون شهادتهم على من لا يستحق الثواب ، ولا يدخل تحت القول من الأمّة ، ويصحّ أيضا أن يشهدوا على باقي الأمم الخارجين عن الملّة ، وكلّ هذا غير مستبعد . وممّا يمكن أن يقال في أصل تأويل الآية : ان قوله تعالى جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً - إذا سلم أن المراد جعلناكم عدولا خيارا - لا يدلّ أيضا على ما يريده الخصم ؛ لأنّه لم يبيّن هل جعلهم عدولا في كلّ أقوالهم وأفعالهم أو في بعضها ؟ والقول محتمل وممكن أن يكون أراد تعالى أنهم عدول فيما يشهدون به في الآخرة ، أو في بعض الأحوال ، فإن رجع راجع إلى أن يقول : إطلاق القول إنّما يقتضي العموم ، وليس هو بأن يحمل على بعض الأحوال أو الأقوال أولى من بعض ، فقد مضى الكلام على ما يشبه هذا مستقصى « 2 » . فأمّا حمل الأمّة على النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم في باب الشهادة ، وكونه حجّة فيها ، فلم يكن قول النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم حجّة من حيث كان شهيدا ، بل من حيث كان نبيّا معصوما فتشبيه أحد الأمرين بالآخر من البعيد .

--> ( 1 ) خ « إذا كان جميع المؤمنين في الأعصار » . ( 2 ) سيأتي في سورة النساء ، الآية : 115 .