الشريف المرتضى

437

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

بما هو متأخر في الحقيقة ، وواقع بعد ذبح البقرة ، وهو قوله تعالى : فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى ؛ لأنّ الأمر بضرب المقتول ببعض البقرة إنّما هو بعد الذبح ؛ فكأنّه تعالى قال : فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ولأنّكم قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها أمرناكم بأن تضربوه ببعضها ، لينكشف أمره . فأمّا إخراج الخطاب مخرج ما يتوجّه إلى الجميع مع أنّ القاتل واحد فعلى عادة العرب في خطاب الأبناء بخطاب الآباء والأجداد ، وخطاب العشيرة بما يكون من أحدها ؛ فيقول أحدهم : فعلت بنو تميم كذا ، وقتل بنو فلان فلانا ؛ وإن كان القاتل والفاعل واحدا من بين الجماعة ؛ ومنه قراءة من قرأ : يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ « 1 » ؛ بتقديم المفعولين على الفاعلين ؛ وهو اختيار الكسائي وأبى العباس ثعلب ؛ فيقتل بعضهم ويقتلون ؛ وهو أبلغ في وصفهم ، وأمدح لهم ، لأنّهم إذا قاتلوا وقتلوا بعد أن قتل بعضهم كان ذلك أدلّ على شجاعتهم وقلة جزعهم وحسن صبرهم . وقد قيل : إنّه كان القاتلان اثنين ، قتلا ابن عم لهما ، وإنّ الخطاب جرى عليهما بلفظ الجمع ؛ كما قال تعالى : وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ « 2 » ؛ يريد داود وسليمان عليهما السّلام ؛ والوجه الأوّل أولى وأقوى بشهادة الاستعمال الظاهر له ، ولأنّ أكثر أهل العلم أجمعوا على أنّ القاتل كان واحدا . ومعنى « فادّارأتم » فتدارأتم ؛ أي تدافعتم ، وألقى بعضكم القتل على بعض ؛ يقال : دارأت فلانا إذا دافعته ، وداريته إذا لاينته ، ودريته إذا ختلته ؛ ويقال : إدّرأ القوم إذا تدافعوا . والهاء في قوله : فَادَّارَأْتُمْ فِيها تعود إلى النفس ، وقيل : إنّها تعود إلى القتلة ، أي اختلفتم في القتلة ؛ « قتلتم » تدل على المصدر ؛ والقتلة من المصادر ، تدلّ عليها الأفعال ، ورجوع الهاء إلى النفس أولى وأشبه بالظاهر . فأمّا قوله تعالى : كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى فالإشارة وقعت به إلى قيام

--> ( 1 ) سورة التوبة ، الآية : 111 . ( 2 ) سورة الأنبياء ، الآية : 78 .