الشريف المرتضى
433
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
يكون لكم في ذلك حجّة لو صحّ لكم أنّ الصفات كلّها كانت للبقرة الأولى . قلنا هذا سؤال من لا يعرف عادة أهل اللغة في كناياتهم ؛ لأنّ الكناية في قوله : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ لا يجوز عند متأمّل أن يكون كناية إلّا عن البقرة الّتي تقدّم ذكرها ؛ لأنّه لم يجر ذكر لغيرها ، فيكنى عنه . ولا يجوز على ما ذهب القوم إليه أن تكون كناية عن البقرة الّتي يريد تعالى أن يأمرهم بذبحها ثانيا ؛ لأنّهم لا يعرفون ذلك ، ولا يخطر لهم ببال ، فكيف يسألون عن صفة بقرة لا يعلمون أنه يؤمرون بذبحها ؟ ويجري ذلك مجرى قول أحدنا لغلامه : « أعطني تفّاحة » فيقول غلامه : « بيّن لي ما هي » فلا يصرف أحد من العقلاء هذا الكناية إلّا إلى التفاحة المأمور بإعطائها . ثمّ قال تعالى بعد ذلك : إنّه يقول : إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ وقد علمنا أنّ الهاء في قوله تعالى : إِنَّهُ يَقُولُ هي كناية عنه تعالى ؛ لأنّه لم يتقدّم ما يجوز ردّ هذه الكناية إليه إلّا اسمه تعالى . فكذلك يجب أن يكون قوله تعالى : إِنَّها كناية عن البقرة المتقدّم ذكرها ، وإلّا فما الفرق بين الأمرين . وكذلك الكلام في الكناية بقوله تعالى : ما لَوْنُها ، وقوله : إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ الكناية في قوله تعالى ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا ، ثمّ الكناية في قوله تعالى : إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ . ولا يجوز أن تكون الكناية في قوله تعالى : إِنَّها في المواضع كلّها للقصّة والحال ؛ لأنّ الكناية في إِنَّها لا بدّ أن تتعلّق بما تعلّقت به الكناية في قوله : ما هِيَ ، ولا شبهة في أن المراد بلفظة هِيَ البقرة الّتي أمرهم بذبحها ، فيجب أن يكون كناية الجواب تعود إلى ما كني عنه بالهاء في السؤال ، ولو جاز تعليق إِنَّها بالقصّة والشأن جاز تعليق ما هِيَ بذلك ، وجاز أيضا أن يكون الكناية في قوله تعالى : إِنَّهُ يَقُولُ عن غير اللّه تعالى ، ويكون عن الأمر والقصّة ، كما قالوا : « إنّه زيد منطلق » ، فكنوا عن الشأن والقصّة . وكيف يكون قوله : « إنّها كذا وكذا » كناية عن غير ما كني عنه بما هي وبما لونها ، أوليس ذلك موجبا أن يكون جوابا عن غير المسؤول عنه ؟ لأنّهم سألوا عن صفات