الشريف المرتضى

430

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

يدعيه من ذهب إلى هذا المذهب قد كان يجب أن يجيبهم عن سؤالهم ، وينكر عليهم الاستفهام في غير موضعه ، وتفريطهم فيما أمروا به ؛ ممّا لا حاجة بهم إلى الاستفهام عنه ، فيقول في جواب قولهم : « ما هي » إنّما كلّفتم أيّ بقرة شئتم ، وما يستحقّ اسم بقرة ، وقد فرّطتم في ترك الامتثال ، وأخطأتم في الاستفهام مع وضوح الكلام إلّا أنكم قد كلّفتم ثانيا كذا وكذا ، لأنّ هذا ممّا يجب عليه بيانه ؛ لإزالة الشكّ والإبهام واللبس ؛ فلمّا لم يفعل ذلك ، وأجاب بالجواب الذي ظاهره يقتضي التعلّق بالسؤال علم أنّ الأمر على ما ذكرناه . وهب أنّه لم يفعل ذلك في أوّل سؤال ، كيف لم يفعله مع تكرار الأسئلة والاستفهامات التي لم تقع على هذا المذهب بموقعها ؟ ومع تكرّر المعصية والتفريط كيف يستحسن أن يكون جميع أجوبته غير متعلّقة بسؤالاتهم ؟ لأنّهم يسألونه عن صفة شيء فيجيبهم بصفة غيره من غير بيان ؛ بل على أقوى الوجوه الموجبة لتعلّق الجواب بالسؤال ؛ لأنّ قول القائل في جواب من سأله ما كذا وكذا ؟ إنّه بالصفة الفلانية صريح في أنّ الهاء كناية عمّا وقع السؤال عنه ؛ هذا مع قولهم : إنّ البقر تشابه علينا ، لأنّهم لم يقولوا ذلك إلّا وقد اعتقدوا أن خطابهم مجمل غير مبيّن ، فلم لم يقل : أيّ تشابه عليكم إذ إنّما أمرتم في الابتداء بأيّ بقرة كانت ، وفي الثاني بما اختصّ باللون المخصوص من أيّ البقر كان ؟ فإن قيل : كيف يجوز أن يأمرهم بذبح بقرة لها جميع الصفات المذكورة إلى آخر الكلام ولا يبيّن ذلك لهم ، وهل هذا إلّا تكليف ما لا يطاق ! . قلنا : لم يرد منهم أن يذبحوا البقرة في الثاني من حال الخطاب ؛ ولو كانت حال الفعل حاضرة لما جاز أن يتأخّر البيان ، لأنّ تأخيره عن وقت الحاجة هو القبيح الذي لا شبهة في قبحه ، وإنّما أراد أن يذبحوها في المستقبل ، فلو لم يستفهموا ويطلبوا البيان لكان قد ورد عليهم عند الحاجة إليه . فإن قيل : إذا كان الخطاب غير متضمّن لصفة ما أمروا بذبحه ، فوجوده كعدمه ، وهذا يخرجه من باب الفائدة ، ويوجب كونه عبثا ! قلنا : ليس يجب ما ظننتم ؛ لأنّ القول وإن كان لم يفد صفة البقرة بعينها