الشريف المرتضى

405

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

فأما قوله تعالى : ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فلا يليق إلّا بالمسميات دون الأسماء ؛ لأنّ هذه الكنايات لا تليق بالأسماء وإنّما تليق بالعقلاء من أصحاب الأسماء أو العقلاء إذا انضم إليهم غيرهم ممّا لا يعقل على سبيل التغليب لما يعقل ، كما يغلب المذكّر على المؤنّث إذا اجتمعوا في الكناية ، كما يقول القائل : أصحابك وامائك جاؤوني ، ولا يقال : جائني . وممّا يشهد للتغليب قوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ « 1 » « 2 » . وقيل : إنّ في قراءة أبيّ : « ثمّ عرضها » وفي قراءة عبد اللّه بن مسعود : « ثمّ عرضهنّ » وعلى هاتين القراءتين يصلح أن تكون عبارة عن الأسماء . أمّا قوله تعالى : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ فعند أكثر أهل العلم وأصحاب التفسير أن الإشارة بهذه الأسماء إلى جميع الأجناس من العقلاء وغيرهم . وقال قوم : أراد أسماء الملائكة خاصّة . وقال آخرون : أراد أسماء ذرّيّته . والصواب القول الأوّل الّذي عليه إجماع أهل التفسير ، والظاهر يشهد به ؛ لقوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها « 3 » . وقد يبقى في هذه الآية سؤال لم نجد أحدا ممن تكلم في تفسير القرآن ، ولا في متشابهه ومشكله تعرّض له ؛ وهو من مهمّ ما يسأل عنه ، وذلك أن يقال : من أين علمت الملائكة لما خبّرها آدم عليه السّلام بتلك الأسماء صحّة قوله ، ومطابقة الأسماء للمسمّيات ؛ وهي لم تكن عالمة بذلك من قبل ؛ إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء ؛ ولم تعترف بفقد العلم ؛ والكلام يقتضيه ؛ لأنّهم لمّا أنبأهم آدم بالأسماء علموا صحّتها ومطابقتها للمسمّيات ؛ ولولا ذلك لم يكن لقوله : أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ معنى ، ولا كانوا مستفيدين بذلك نبوّته وتمييزه واختصاصه بما ليس لهم ؛ لأنّ كلّ ذلك إنّما يتمّ مع العلم دون غيره . والجواب : أنّه غير ممتنع أن يكون الملائكة في الأوّل غير عارفين بتلك

--> ( 1 ) سورة نور ، الآية : 45 . ( 2 ) الرسائل ، 3 : 112 . ( 3 ) الرسائل ، 3 : 112 .