الشريف المرتضى
379
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
وقال : قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ « 1 » ولم ينطق الحجارة والحركة والسكون . وما أشبه ما ذكرناه كثير ، كذلك أيضا قوله : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 2 » أراد الأزواج والأولاد والأجسام ؛ لأنّ هذا ردّ على النصارى ولم يرد الفجور والفسوق . وما ذكرناه في اللغة مشهور ، قال لبيد بن ربيعة « 3 » : ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل * وكلّ نعيم لا محالة زائل ولم يرد أنّ الحقّ باطل ، ولا أنّ شعره هذا الذي قاله باطل ، وقد قال كلّ شيء وإنّما أراد بعض الأشياء ، ويقول القائل : « دخلنا المشرق فاشترينا كلّ شيء ورأينا كلّ شيء حسن » ، وإنّما أراد كلّ شيء ممّا اشتروا ، وكلّ شيء ممّا رأوا ، وكذا : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ممّا خلقه لا ممّا فعله عباده ؛ لأنّه لا يجوز أن يفعل العباد خلق ربّ العالمين . ويقال لهم : إن كان يجب أن تكون أعمال العباد خلق اللّه لقول اللّه : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ « 4 » ، فيجب أن يكون كلّ خلقه حسنا لقوله : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ « 5 » فيجب أن يكون الشرك حسنا ، وكذلك الظلم والكذب والفجور والفسوق ؛ لأنّ ذلك عندهم خلق اللّه تعالى . فإن قالوا : إنّ قوله : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ إنّما أراد بعض الأشياء . قيل لهم : فما أنكرتم أن يكون قوله : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ إنّما وقع على كلّ شيء خلقه دون ما لم يخلقه ممّا يقدر عليه ويعلم أنّه لا يفعله وممّا يفعله عباده من الطاعة والمعصية .
--> ( 1 ) سورة فصلت ، الآية : 21 . ( 2 ) سورة الأنعام ، الآية : 101 . ( 3 ) لبيد بن ربيعة العامري الشاعر ، قدم على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم سنة وفد قومه فأسلم وحسن اسلامه ، وترك الشعر منذ اسلامه حتى موته ، وعمر طويلا ومات وهو ابن مائة وأربعين سنة ، وقيل إنه مات وهو ابن سبع وخمسين ومائة سنة ، وكانت وفاته سنة 41 ه على اشهر الأقوال ( استيعاب : 3 / 1335 ) . ( 4 ) سورة الأنعام ، الآية : 102 . ( 5 ) سورة السجدة ، الآية : 7 .