الشريف المرتضى
366
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
وروي عن أنس « 1 » أنّه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : سيكون في هذه الأمّة أقوام يعملون بالمعاصي ويزعمون أنّها من اللّه ، فإذا رأيتموهم فكذّبوهم ثمّ كذّبوهم . وما أشبه هذه الأخبار كثير ، ولو قصدنا إلى ذكرها لطال بها الكتاب وإنّما نذكر من الباب الذي ينبّه به على الحقّ . الأدلة العقلية على تنزيه اللّه من خلق الشرور وأمّا حجة القول على أنّ اللّه لم يفعل أفعال العباد ، وأنّ فعل الخلق غير فعل ربّ العالمين ، فهو أنّا وجدنا من أفعال العباد ما هو ظلم وعبث وفساد ، وفاعل الظلم ظالم ، وفاعل العبث عابث ، وفاعل الفساد مفسد ، فلمّا لم يجز أن يكون اللّه مفسدا علمنا أنّه لم يفعل الظلم ولا العبث ولا الفساد . وأيضا ؛ فإنّ أفعالهم التي هي محكمة منها ما هو طاعة وخضوع وفاعل الطاعة مطيع ، وفاعل الخضوع خاضع ، فلمّا لم يجز أن يكون اللّه مطيعا ولا خاضعا علمنا أنّه لا يفعل الطاعة ولا الخضوع . وأيضا ؛ فانّ اللّه لا يجوز أن يعذّب العباد على فعله ، ولا يعاقبهم على صنعه ، ولا يأمرهم بأن يفعلوا ما خلقه ، فلمّا عذّبهم على الكفر ، وعاقبهم على الظلم ، وأمرهم بأن يفعلوا الإيمان ، علمنا أنّ الكفر والظلم والإيمان ليست من فعل اللّه ولا من صنعه . وممّا يبيّن ما قلنا : أنّه لا يجوز أن يعذّب العباد على طولهم وقصرهم وألوانهم وصورهم ؛ لأنّ هذه الأمور فعله وخلقه فيهم ، فلو كان الكفر والفجور فعل اللّه لم يجز أن يعذّبهم على ذلك ولا ينهاهم عنه ولا يأمرهم بخلافه ، فلمّا
--> ( 1 ) أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي النجاري ، خادم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان من المكثرين في الرواية ، وتوفى بالبصرة سنة 93 ، وقيل في تاريخ وفاته غير ذلك ( أسد الغابة : 2 / 127 ) .