الشريف المرتضى
334
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
وممّا اعتمدوا عليه في دفع سؤال الجنّ : ان هذا الطعن وان قدح في إعجاز القرآن قدح في سائر المعجزات . والجواب عن ذلك : أن المعجزات على ضربين : ضرب : يوصف القديم تعالى بالقدرة عليه نحو إحياء الميّت ، وإبراء الأكمه والأبرص ، واختراع الأجسام ، وهذا الوجه لا يمكن الاعتراض فيه بالجنّ والملائكة ؛ لخروجه عن مقدور كلّ محدث . والضرب الثاني من المعجزات : ما دخل جنسه تحت مقدور البشر ، وهذا الوجه إنّما يدلّ إذا علم أن القدر الواقع منه أو الوجه الّذي وقع عليه لا يتمكّن أحد من المحدثين منه ، وإذا لا يعلم هذا فلا دليل فيه . فإذا قيل : وما الطريق إلى العلم بأنه ليس في إمكان جميع المحدثين . قلنا : غير ممتنع أن يخبرنا اللّه تعالى على لسان رسول يؤيّده بمعجزة ، ويختصّ تعالى بالقدرة عليها ، ويعلمنا أن عادة الجنّ أو الملائكة مساوية لعادتنا ، وإنّما يتعذّر علينا ما يتعذّر عليهم ، فمتى ظهر أمر يخرق عادتنا علمنا أن ذلك معجز ؛ لعلمنا بمشاركة الملائكة والجنّ لنا . فإذا قيل : ما تنكرون من أن يكون اللّه تعالى أجرى عادة الجنّ أن يحيي الميّت عند أدنى جسم له صفة مخصوصة إليه ، كما أجرى العادة بحركة الحديد عند تقربه من الحجر المغناطيس ، وإذا جوّزنا ذلك لم يكن في ظهور احياء الميّت على يد مدّعي النبوّة دليل على صدقه ؛ لأنا لا نأمن أن يكون الجني نقل إلينا ذلك الجسم الّذي أجرى اللّه تعالى عادة الجنّ أن يحيي الموتى عنده ، وهذا طعن في جميع المعجزات . قلنا : احياء اللّه تعالى الميّت عند تقريب هذا الجسم بيننا وفي عادتنا خرق منه تعالى لعادتنا بما يجري مجرى تصديق الكذّاب ، وهذا لا يجوز عليه تعالى . وليس إذا أجرى اللّه تعالى عادة الجنّ بأن يحيي ميّتا عند تقريب جسم إليه من حيث لا نعلم ذلك ولا نعرفه جاز أن يفعله في عادتنا ؛ لأنه إذا فعله في عادتهم فلا وجه للقبح ، وإذا نقض عادتنا فهو صدّق الكذّاب . وليس هذا يجري