الشريف المرتضى

331

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

ويشكل حالهم مصروفا لعارض ، كما عارض مسيلمة ، فتمكين مسيلمة من معارضته دليل واضح على ما نقوله في الصرفة . وقد بيّنا في كتابنا في جهة إعجاز القرآن أن من لم يقل في جهته ما اخترناه من الصرفة يلزمه سؤالان لا جواب عنهما إلّا لمن ذهب إلى الصرفة : السؤال الأول : أن يقال : ما أنكرتم أن يكون القرآن من فعل بعض الجنّ ألقاه إلى مدّعي النبوّة ، وخرق به عادتنا ، وقصد بنا إلى الاضلال لنا والتلبيس علينا ، وليس يمكن أن يدّعى الإحاطه بمبلغ فصاحة الجنّ وأنها لا يجوز أن يتجاوز عن فصاحة العرب ، ومع هذا التجويز لا يحصل الثقة بأن اللّه تعالى هو المؤيّد بالقرآن لرسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم . وقد يمكن إيراد معنى هذا السؤال على وجه آخر ، فيقال : إنّ محمّدا صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يدّع في القرآن أنه كلامه ، وإنّما ذكر أن ملكا هبط به إليه ، وقد يجوز أن يكون ذلك الملك كاذبا على ربّه ، وأن يكون القرآن الّذي نزل به من كلامه لا من كلام خالقه ؛ فإن عادة الملائكة في الفصاحة ممّا لا نعرفه ، وعصمة الملائكة قبل العلم بصحّة القرآن والنبوّة لا يمكن معرفتها ، فالسؤال متوجّه على ما ترويه . وقد حكينا في كتابنا المشار إليه طرقا كثيرة لمخالفينا سلكوها في دفع هذا السؤال ، وبيّنا فسادها بما بسطناه وانتهينا فيه إلى أبعد الغايات ، ونحن نذكر هاهنا ما لا بدّ من ذكره ممّا اعتمدوا عليه في دفع سؤال الجنّ أن قالوا : إن هذا استفساد للمتكلّمين وحكمته تعالى يقتضي المنع من الاستفساد . وهذا غير صحيح ؛ لأن الّذي يمنعه أن يفعل اللّه تعالى الاستفساد ، فأمّا أن يمنع منه فليس بواجب ؛ لأن هذا يوجب أن يمنع اللّه تعالى كلّ ذي شبهة من شبهته ، وأن لا يمكن المتعبّدين المنخرقين من شيء دخلت منه شبهة على أحد . وقد علمنا أن المنع من الشبهات وفعل القبائح في دار التكليف غير واجب ، وليس يجب إذا كان تعالى لا يستفسد أن يمنع من الاستفساد ، كما لا يجب إذا لم يفعل القبيح أن يمنع منه في دار التكليف .