الشريف المرتضى

306

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

من حفظ التركيب ، والصحّة لا تعدّ على أهل النار نعمة ؛ وإن كان على أهل الجنّة نعما من حيث كان الغرض فيه إيصال العقاب إليهم . والجواب الثالث : أن يكون معنى استهزائه بهم أنّه جعل لهم بما أظهروه من موافقة أهل الإيمان ظاهر أحكامهم ؛ من نصرة ومناكحة وموارثه ومدافنة ، وغير ذلك من الأحكام ؛ وإن كان تعالى معدّا لهم في الآخرة أليم العقاب لما أبطنوه من النفاق ، واستسرّوا به من الكفر ؛ فكأنّه تعالى قال : إن كنتم أيّها المنافقون بما تظهرونه للمؤمنين من المتابعة والموافقة ، وتبطنونه من النفاق ، وتطلعون عليه شياطينكم إذا خلوتم بهم تظنّون أنّكم مستهزؤون ؛ فاللّه تعالى هو المستهزىء بكم من حيث جعل لكم أحكام المؤمنين ظاهرا ؛ حتى ظننتم أنّ لكم مالهم ، ثمّ ميّز بينكم في الآخرة ودار الجزاء ؛ من حيث أثاب المخلصين الذين يوافق ظواهرهم بواطنهم ، وعاقب المنافقين . وهذا الجواب يقرب معناه من الجواب الثاني ؛ وإن كان بينهما خلاف من بعض الوجوه . والجواب الرابع : أن يكون معنى ذلك أنّ اللّه هو الذي يردّ استهزاءكم ومكركم عليكم ؛ وأنّ ضرر ما فعلتموه لم يتعدّكم ؛ ولم يحط بسواكم ؛ ونظير ذلك قول القائل : « إنّ فلانا أراد أن يخدعني فخدعته ؛ وقصد إلى أن يمكر بي فمكرت به » والمعنى أنّ ضرر خداعه ومكره عائد إليه ولم يضررني به . والجواب الخامس « 1 » : أن يكون المعنى أنّه يجازيهم على استهزائهم ؛ فسمّي الجزاء على الذنب باسم الذنب ؛ والعرب تسمّي الجزاء على الفعل باسمه ؛ قال اللّه تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها « 2 » ، وقال تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ « 3 » ، وقال : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ « 4 » والمبتدأ ليس بعقوبة ، وقال الشاعر « 5 » :

--> ( 1 ) انظر أيضا المائدة : 116 من الأمالي ، 1 : 317 . ( 2 ) سورة الشورى ، الآية : 40 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 194 . ( 4 ) سورة النحل ، الآية : 126 . ( 5 ) هو عمرو بن كلثوم ، والبيت من المعلقة : 238 - بشرح التبريزي .