الشريف المرتضى
250
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
[ الثاني ] : فصل في الإجماع هل هو حجّة في شيء مخصوص أو في كلّ شيء ؟ اعلم أنّ كلّ شيء أجمعت عليه الأمّة لا بدّ من كونه غير خطأ ، وإن لم يكن خطأ ، فلا بدّ من كونه صوابا ، وما هو صواب على ضربين : فمنه ما يصحّ أن يعلم بإجماعهم ، وهذا القسم هو الّذي يكون إجماعهم حجّة فيه . فأمّا ما لا يمكن أن يعلم بإجماعهم ، فقولهم ليس بحجّة فيه وإن كان صوابا ، وكون الشيء حجّة كالمنفصل من كونه صوابا ؛ لأنّ كونه صوابا يرجع إليه ، وكونه حجّة يرجع إلى غيره . فأمّا الّذي يكون إجماعهم فيه حجّة فهو كلّ أمر صحّ أن يعلم بإجماعهم . والّذي لا يصحّ أن يعلم بإجماعهم ما يجب أن تتقدّم معرفته على معرفة صحّة الإجماع ، كالتوحيد والعدل وما أشبههما وإذا كنّا إنّما نرجع في كون الإجماع حجّة إلى قول الإمام المعصوم الّذي لا يخلو كلّ زمان منه ، فيجب أن نقول : كلّ شيء تقدّمت معرفة وجوب وجود الإمام المعصوم في كلّ زمان له ، فقول الإمام حجّة فيه ، والإجماع الّذي يدخل هذا القول فيه أيضا حجّة في مثله . فأمّا ما لا يمكن المعرفة بوجود الإمام المعصوم قبل المعرفة به ، فقوله ليس بحجّة فيه ، كالعقليّات كلّها . والّذي يمكن على أصولنا المعرفة به من طريق الإجماع أوسع وأكثر ممّا يمكن أن يعلم بالإجماع على مذهب مخالفينا ؛ لأنّهم إنّما يعلمون بالإجماع الأحكام الشرعيّة خاصّة ، ونحن نتمكّن من أن نعلم بالإجماع زائدا على ذلك فرضا وتقديرا النبوّة والقرآن وما شاكل ذلك من الأمور الّتي يصحّ أن يتقدّمها العلم بوجوب الإمامة . ولو أجمعت الأمّة في شخص بعينه أنّه نبيّهم ، وفي كلام بعينه أنّه كلام اللّه سبحانه ، لعلمنا صحّتهما ؛ لسلامة الأصل الّذي أشرنا إليه ، وصحّة تقدّمه على هذه المعرفة . وعلى هذا يصحّ على مذاهبنا أن يعلم صحّة الإجماع وكونه حجّة من يجهل صحّة القرآن ونبوّة نبيّنا صلى اللّه عليه وآله وسلم ، لأنّ أصل كونه