الشريف المرتضى
199
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
ورابعها : قوله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها « 1 » . وذكروا في التعلّق بهذه الآية وجوها : منها : أنّه لمّا قال تعالى : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها كان الكلام محتملا للكتاب وغيره ، فلمّا قال بعد ذلك : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ علم أنّه أراد ما يختصّ هو تعالى بالقدرة عليه من القرآن المعجز . ومنها : أنّه قال تعالى : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها ، فأضاف ذلك إلى نفسه ، والسنّة لا تضاف إليه حقيقة . ومنها : أنّ الظاهر من قول القائل : « لا آخذ منك ثوبا إلّا وأعطيك خيرا منه » أنّ المراد أعطيك ثوبا من جنس الأوّل . ومنها : أنّ الآية إنّما تكون خيرا من الآية بأن تكون أنفع منها ، والانتفاع بالآية يكون بتلاوتها وامتثال حكمها ، فيجب أن يكون ما يأتي به يزيد في النّفع على ما ينسخه في كلا الوجهين ، والسنّة لا يصحّ لها إلّا أحدهما . والجواب عمّا تعلّقوا به أوّلا : هو أنّ الظّاهر لا دلالة فيه على أنّه لا يبدّل الآية إلّا بالآية ، وإنّما قال تعالى : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ؛ ولأنّ الخلاف في نسخ حكم الآية ، والظّاهر يتناول نفس الآية . والجواب عن الثاني : أنّه أيضا لا يتناول موضع الخلاف ؛ لأنّه إنّما نفى أن يكون ذلك من جهته ، بل بوحي من اللّه تعالى سواء كان ذلك قرآنا أو سنّة . والجواب عن الثالث : أنّ النسخ يدخل في جملة البيان ؛ لأنّه بيان مدّة العبادة وصفة ما هو بدل منها . وقد قيل : إنّ المراد هيهنا بالبيان التبليغ والأداء ، حتى يكون القول عامّا في جميع المنزّل ، ومتى حمل على غير ذلك كان خاصّا في المجمل ، على أن النسخ لو انفصل عن البيان ، لم يمنع أن يكون ناسخا وإن كان مبيّنا ، كما لم يمنع كونه مبيّنا من كونه مبتدئا للأحكام ، وقد وصف اللّه تعالى القرآن بأنه بيان ، ولم يمنع ذلك من كونه ناسخا .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 106 .