الشريف المرتضى
184
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
[ التاسع ] : فصل في أنه لا يجوز نسخ الشيء قبل وقت فعله اختلف الناس في ذلك : فذهب قوم من المتكلّمين ومن أصحاب الشافعيّ إلى أنّه جائز أن تنسخ العبادة قبل وقت فعلها ، وذهب أكثر المتكلّمين وأصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعيّ إلى أنّه غير جائز ، وهو الصحيح . والّذي يدلّ عليه وجهان : أحدهما : أنّه يقتضي البداء ؛ لأنّ شروط البداء الّتي تقدّم ذكرها حاصلة هيهنا . والوجه الآخر : أن ذلك يقتضي إضافة قبيح إلى اللّه تعالى إمّا الأمر أو النهي ؛ لأنّ الفعل لا يخلو من أن يكون قبيحا ، فالأمر به قبيح ، أو حسنا ، فيكون النهي عنه قبيحا . وليس يمكنهم أن يقولوا : ان المكلّف ليس بواحد ، ولا الوقت ؛ لأنّه إبطال للمسألة ، من حيث كان الخلاف في هل يجوز أن ينسخ عن كلّ مكلّف بعينه ما أمر به في وقت بعينه بالنهي قبل حضور الوقت ، فعدلوا عن ذلك إلى الشرطين الأخيرين ، إمّا كون الفعل واحدا ، أو كون الوجه أو الشرط واحدا . وتغاير الفعل لا يمكن فيه إلّا وجوه ثلاثة : أحدها : أنّ النهي متناول للفعل ، والأمر الأوّل يتناول الاعتقاد . وثانيها : أنّ النّهي تناول مثل الفعل الّذي تناوله الأمر الأوّل . وثالثها : أن يتناول الثاني خلاف ما تناوله الأوّل ؛ لأنّه لا يمكنه أن يقول : يتناول ضدّ ما تناوله الأول ؛ لأنّه يوجب أنّه تعالى لم يكن ناهيا عن ضدّ ما يوجبه ويلزمه ، وصار الآن ناهيا عنه ، وضدّ الواجب لا يجوز أن يتغيّر ، فلا مدخل لذلك في النسخ . والّذي يبطل أن يكون النّهي تناول مثل ما تناوله الأمر أنّ الفعلين إذا اختصّا بوقت واحد والوجه واحد لم يجز أن يكون أحدهما مصلحة والأخر مفسدة ، والأمر الأوّل يجمعهما ، فكذلك النّهي الثّاني ، ولأنّ التمييز بينهما غير ممكن ، فلا يجوز أن يتناول التكليف أحدهما دون الآخر . وأمّا الاعتقاد فإنّهم يقولون : إنّه تعالى أمر بالفعل الأوّل وأراد الاعتقاد ، وتناول النّهي الّذي بعده نفس الفعل .