علي بن محمد البغدادي الماوردي

348

النكت والعيون تفسير الماوردى

ولابن عباس في رحلة الشتاء والصيف قول ثالث : أنهم كانوا يشتون بمكة لدفئها ، ويصيفون بالطائف لهوائها ، كما قال الشاعر « 484 » : تشتي بمكة نعمة * ومصيفها بالطائف وهذه من جلائل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف ، فذكرهم اللّه تعالى هذه النعمة . فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ أمرهم اللّه تعالى بعبادته ، وفي تعريف نفسه لهم بأنه رب هذا البيت وجهان : أحدهما : لأنه كانت لهم أوثان ، فميز نفسه عنها . الثاني : أنهم بالبيت شرفوا على سائر العرب ، فذكر لهم ذلك تذكيرا بنعمته . وفي معنى هذا الأمر والضمير في دخول الفاء على قوله « فَلْيَعْبُدُوا » أربعة أوجه : أحدها : فليعبدوا رب هذا البيت بأنه أنعم عليهم برحلة الشتاء والصيف . الثاني : فليألفوا عبادة رب هذا البيت كما ألفوا رحلة الشتاء والصيف . الثالث : فليعبدوا رب هذا البيت لأنه أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف . الرابع : فليتركوا رحلة الشتاء والصيف بعبادة رب هذا البيت ، فإنه يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف ليتوفروا بالمقام على نصرة رسوله والذب عن دينه . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : أطعمهم من جوع بما أعطاهم من الأموال وساق إليهم من الأرزاق ، قاله ابن عيسى . الثاني : أطعمهم من جوع بما استجاب فيهم دعوة إبراهيم عليه السّلام . حين قال : وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ ، قاله ابن عباس . الثالث : أن جوعا أصابهم في الجاهلية ، فألقى اللّه في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاما ، فحملوه ، فخافت قريش منهم وظنوا أنهم قدموا لحربهم ، فخرجوا إليهم متحرزين ، فإذا هم قد جلبوا إليهم الطعام وأعانوهم بالأقوات ، فهو معنى قوله الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ .

--> ( 484 ) روح المعاني ( 30 / 240 ) .