علي بن محمد البغدادي الماوردي
14
النكت والعيون تفسير الماوردى
وسبب نزول هذه الآية ما روى أسباط عن السدي أن عبد اللّه « 12 » بن أبي بن سلول كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزاة وفيها أعراب يتبعون الناس ، وكان ابن أبي يصنع لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في كل يوم طعاما ، فاستقى أعرابي ماء في حوض عمله من أحجار ، فجاء رجل من أصحاب ابن أبي بناقة ليسقيها من ذلك الماء فمنعه الأعرابي واقتتلا فشجه الأعرابي ، فأتى الرجل إلى عبد اللّه [ بن أبي ] ودمه يسيل على وجهه ، فحزنه ، فنافق عبد اللّه وقال : ما لهم رد اللّه أمرهم إلى تبال ، وقال لأصحابه : لا تأتوا محمدا بالطعام حتى يتفرق عنه الأعراب ، فسمع ذلك زيد بن أرقم وكان حدثا ، فأخبر عمه ، فأتى عمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحدثه ، فبعث إلى ابن أبيّ وكان من أوسم الناس وأحسنهم منطقا ، فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحلف : والذي بعثك بالحق ما قلت من هذا شيئا ، فصدقه فأنزل اللّه هذه الآية . وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ أي إن نافق من نافقك مع علم اللّه بأنك رسوله فلا يضرك . ثم قال : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ يحتمل وجهين : أحدهما : واللّه يقسم إن المنافقين لكاذبون في أيمانهم . الثاني : معناه واللّه يعلم أن المنافقين لكاذبون فيها . اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً والجنة : الغطاء المانع من الأذى ، ومنه قول الأعشى ميمون . إذا أنت لم تجعل لعرضك جنة * من المال سار الذم كل مسير وفيه وجهان : أحدهما : من السبي والقتل ليعصموا بها دماءهم وأموالهم ، قاله قتادة . الثاني : من الموت ألّا يصلّى عليهم ، فيظهر على جميع المسلمين نفاقهم ، وهذا معنى قول السدي . ويحتمل ثالثا : جنة تدفع عنهم فضيحة النفاق .
--> ( 12 ) هذا الأثر عن السدي ورد مرفوعا من حديث زيد بن أرقم رواه البخاري ( 8 / 494 ) مسلم ( 772 ) والترمذي ( 3309 ، 3310 ) وابن جرير ( 28 / 109 ) وزاد السيوطي نسبته في الدر ( 8 / 171 ) لعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر والطبراني وابن مردويه .