علي بن محمد البغدادي الماوردي

363

النكت والعيون تفسير الماوردى

قوله تعالى : قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا لأن مريم خافت جبريل على نفسها حين دنا منها فقالت إِنِّي أَعُوذُ أي أمتنع بِالرَّحْمنِ مِنْكَ فاستغاثت باللّه في امتناعها منه . فإن قيل : فلم قالت إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا والتقي مأمون وإنما يستعاذ من غير التقي ؟ ففيه وجهان : أحدهما : أن معنى كلامها إن كنت تقيا للّه فستمتنع من استعاذتي وتنزجر عني من خوفه ، قاله أبو وائل « * » . الثاني : أنه كان اسما لرجل فاجر من بني إسرائيل مشهور بالعهر يسمّى تقيا « 619 » فخافت أن يكون الذي جاءها هو ذلك الرجل المسمى تقيا الذي لا يأتي إلا للفاحشة فقالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ، قاله ابن عباس . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 22 إلى 23 ] فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ( 22 ) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ( 23 ) قوله تعالى : فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ فيه وجهان : أحدهما : معناه ألجأها ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، ومنه قول الشاعر « 620 » : إذ شددنا شدة صادقة * فأجأناكم إلى سفح الجبل الثاني : معناه فجأها المخاض كقول زهير « 621 » : وجار سار معتمدا إلينا * أجاءته المخافة والرجاء وفي قراءة ابن مسعود فأواها .

--> ( * ) في الأصل أو أويل وهو تحريف . ( 619 ) قال الشوكاني في فتح القدير ( 3 / 328 ) بعد أن حكى القولين « والأول أولى » . ( 620 ) هو حسان بن ثابت . والبيت في ديوانه : 181 واللسان ( جيأ ) وفيه فأجاءتكم إلى سفح الجبل ونسبه للكميت . ( 621 ) اللسان ( جيأ ) والطبري ( 16 / 64 ) فتح القدير ( 3 / 328 ) روح المعاني ( 16 / 81 ) .