علي بن محمد البغدادي الماوردي

354

النكت والعيون تفسير الماوردى

والباقي حروف يعصى لأن ترك المعاصي يبعث على امتثال الأوامر واجتناب النواهي ، فصار تركها كافيا من العقاب وهاديا إلى الثواب وهذا أوجز وأعجز من كل كلام موجز لأنه قد جمع في حروف كلمة معاني كلام مبسوط وتعليل أحكام وشروط . ثم ذكر حال من كفاه وهداه فقال : ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا فذكر رحمته حين أجابه إلى ما سأله فاحتمل وجهين : أحدهما : أنه رحمه بإجابته له . الثاني : أنه إجابة لرحمته له . قوله تعالى : . . . . نِداءً خَفِيًّا [ فيه قولان ] « 605 » . أحدهما : قاله ابن جريج ، سرا لا رياء فيه . قال قتادة إن اللّه يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفي فأخفى زكريا نداءه لئلا ينسب إلى الرياء فيه . الثاني : قاله مقاتل ، إنما أخفى لئلا يهزأ الناس به ، فيقولون انظروا إلى هذا الشيخ يسأل الولد . ويحتمل ثالثا : أن إخفاء الدعاء أخلص للدعاء وأرجى للإجابة للسنة الواردة فيه : إن الذي تدعونه ليس بأصم « 606 » . قوله تعالى : . . . إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي أي ضعف وفي ذكره وهن العظم دون اللحم وجهان : أحدهما : أنه لما وهن العظم الذي هو أقوى كان وهن اللحم والجلد أولى . الثاني : أنه اشتكى ضعف البطش ، والبطش إنما يكون بالعظم دون اللحم .

--> ( 605 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 606 ) جزء من حديث لأبي موسى الأشعري مرفوعا . رواه البخاري ( 6 / 94 ) ومسلم ( 4 / 2576 ) .