علي بن محمد البغدادي الماوردي
327
النكت والعيون تفسير الماوردى
قوله عزّ وجل : فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها لأنه أراد أن يعبر في البحر إلى أرض أخرى فركب في السفينة وفيها ركاب ، فأخذ الخضر فأسا ومنقارا فخرق السفينة حتى دخلها الماء وقيل إنه قلع منها لوحين فضج ركابها من الغرق . ف قالَ له موسى أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها وإن كان في غرقها غرق جميعهم لكنه أشفق على القوم أكثر من إشفاقه على نفسه لأنها عادة الأنبياء . ثم قال بعد تعجبه وإكباره لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً فأكبر ثم أنكر ، وفي الإمر ثلاثة أوجه : أحدها : يعني منكرا ، قاله مجاهد ، الثاني : عجبا ، قاله مقاتل . الثالث : أن الإمر الداهية العظيمة ، قاله أبو عبيدة وأنشد « 558 » : قد لقي الأقران منّي نكرا * داهية دهياء إدّا إمرا وهو مأخوذ من الإمر وهو الفاسد الذي يحتاج إلى الصلاح ، ومنه رجل إمر إذا كان ضعيف الرأي لأنه يحتاج أن يؤمر حتى يقوى رأيه ، ومنه أمر القوم إذا أكثروا لأنهم يحتاجون إلى من يأمرهم وينهاهم . قوله عزّ وجل : قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : بما نسيته وغفلت عنه فلم أذكره ، وقد رفعه أبي بن كعب « 559 » . الثاني : بما كأني نسيته ، ولم أنسه في الحقيقة . حكى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : لم ينس ولكنها معاريض الكلام . الثالث : بما تركته من عهدك ، قاله ابن عباس ، مأخوذ من النسيان الذي هو الترك لا من النسيان الذي هو من السهو . وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً فيه أربعة أوجه :
--> ( 558 ) مجاز القرآن ( 1 / 409 ) واللسان ( امرا ) والطبري ( 15 / 284 ) . ( 559 ) وهو قوله في الحديث « فكانت الأولى من موسى نسيانا » . رواه البخاري ( 8 / 310 ) ومسلم ( 4 / 1748 ) .