علي بن محمد البغدادي الماوردي

281

النكت والعيون تفسير الماوردى

الثاني : ما قاله ابن عباس أنه كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ساجدا يدعو « يا رحمن يا رحيم » ، فقال المشركون هذا يزعم أن له إلها واحدا وهو يدعو مثنى ، فنزلت الآية . وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا فيه قولان : أحدهما : أنه عنى بالصلاة الدعاء ، ومعنى ذلك ولا تجهر بدعائك ولا تخافت به ، وهذا قول عائشة رضي اللّه عنها ومكحول . قال إبراهيم : لينتهين أقوام يشخصون بأبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم . الثاني : أنه عنى بذلك الصلاة المشروعة ، واختلف قائلوا ذلك فيما نهى عنه من الجهر بها والمخافتة فيها على خمسة أقاويل : أحدها : أنه نهى عن الجهر بالقراءة فيها لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة كان يجهر بالقراءة جهرا شديدا ، فكان إذا سمعه المشركون سبّوه ، فنهاه اللّه تعالى عن شدة الجهر ، وأن لا يخافت بها حتى لا يسمعه أصحابه ، ويبتغي بين ذلك سبيلا ، قاله ابن عباس « 468 » . الثاني : أنه نهى عن الجهر بالقراءة في جميعها وعن الإسرار بها في جميعها وأن يجهر في صلاة الليل ويسر في صلاة النهار . الثالث : أنه نهي عن الجهر بالتشهد في الصلاة ، قاله ابن سيرين . الرابع : أنه نهي عن الجهر بفعل الصلاة لأنه كان يجهر بصلاته ، بمكة فتؤذيه قريش ، فخافت بها واستسر ، فأمره اللّه ألّا يجهر بها كما كان ، ولا يخافت بها كما صار ، ويبتغي بين ذلك سبيلا ، قاله عكرمة . الخامس : يعني لا تجهر بصلاتك تحسنها مرائيا بها في العلانية ، ولا تخافت بها تسيئها في السريرة ، قال الحسن : تحسّن علانيتها وتسيء سريرتها . وقيل : لا تصلّها رياء ولا تتركها حياء . والأول أظهر . روي أن أبا بكر الصديق « 469 » كان إذا صلّى خفض من صوته فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « لم تفعل هذا ؟ » قال : أناجي ربي وقد علم حاجتي ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم أحسنت . وكان

--> ( 468 ) رواه البخاري ( 8 / 404 ) وأحمد ( 1 / 215 ) والطبري ( 15 / 184 ) . ( 469 ) رواه ابن جرير ( 15 / 186 ) وزاد في الدر ( 5 / 350 ) نسبته لسعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإيمان وابن المنذر وفيه قال ابن سيرين نبئت أن أبا بكر رضي اللّه عنه كان إذا قرأ . . الحديث ، وهو منقطع كما ترى بين ابن سيرين وأبي بكر .