علي بن محمد البغدادي الماوردي

88

النكت والعيون تفسير الماوردى

أحدها : أن « ما » بمعنى الذي ، وتقديره : الذي هو بعوضة . والثاني : أن معناه : ما بين بعوضة إلى ما فوقها . والثالث : أن « ما » صلة زائدة ، كما قال النابغة : قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا * إلى حمامتنا ونصفه فقد فَما فَوْقَها فيه تأويلان : أحدهما : فما فوقها في الكبر ، وهذا قول قتادة وابن جريج . والثاني : فما فوقها في الصغر ، لأن الغرض المقصود هو الصغر . وفي المثل ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه وارد في المنافقين ، حيث ضرب لهم المثلين المتقدّمين : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ، وقوله : أو كصيّب من السماء ، فقال المنافقون : إن اللّه أعلى من أن يضرب هذه الأمثال ، فأنزل اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس . والثاني : أن هذا مثل مبتدأ ضربه اللّه تعالى مثلا للدنيا وأهلها ، وهو أن البعوضة تحيا ما جاعت ، وإذا شبعت ماتت ، كذلك مثل أهل الدنيا ، إذا امتلئوا من الدنيا ، أخذهم اللّه تعالى عند ذلك ، وهذا قول الربيع بن أنس . والثالث : أن اللّه عزّ وجل حين ذكر في كتابه العنكبوت والذباب وضربهما مثلا ، قال أهل الضلالة : ما بال العنكبوت والذباب يذكران ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، وهذا قول قتادة ، وتأويل الربيع أحسن ، والأول أشبه . قوله عزّ وجل : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : معناه بالتكذيب بأمثاله ، التي ضربها لهم كثيرا ، ويهدي بالتصديق بها كثيرا . والثاني : أنه امتحنهم بأمثاله ، فضلّ قوم فجعل ذلك إضلالا لهم ، واهتدى قوم فجعله هداية لهم . والثالث : أنه إخبار عمّن ضلّ ومن اهتدى . قوله عزّ وجل : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ .