علي بن محمد البغدادي الماوردي
53
النكت والعيون تفسير الماوردى
لا يتعدى لفظه ، وإنما يعتدى معناه ، ولذلك سمي قوم بالرحيم ، ولم يتسمّ أحد بالرحمن ، وكانت الجاهلية تسمّي اللّه تعالى به وعليه بيت الشنفرى ، ثم إن مسيلمة الكذاب تسمّى بالرحمن ، واقتطعه من أسماء اللّه تعالى ، قال عطاء : فلذلك قرنه اللّه تعالى بالرحيم ، لأن أحدا لم يتسمّ بالرحمن الرحيم ليفصل اسمه عن اسم غيره ، فيكون الفرق في المبالغة ، وفرّق أبو عبيدة بينهما ، فقال بأن الرحمن ذو الرحمة ، والرحيم الراحم . واختلفوا في اشتقاق الرحمن والرحيم على قولين : أحدهما : أنهما مشتقان من رحمة واحدة ، جعل لفظ الرحمن أشدّ مبالغة من الرحيم . والقول الثاني : أنهما مشتقان من رحمتين ، والرحمة التي اشتق منها الرحمن ، غير الرحمة التي اشتق منها الرحيم ، ليصح امتياز الاسمين ، وتغاير الصفتين ، ومن قال بهذا القول اختلفوا في الرحمتين على ثلاثة أقوال : أحدها : أن الرحمن مشتق من رحمة اللّه لجميع خلقه ، والرحيم مشتق من رحمة اللّه لأهل طاعته . والقول الثاني : أن الرحمن مشتق من رحمة اللّه تعالى لأهل الدنيا والآخرة ، والرحيم مشتق من رحمته لأهل الدنيا دون الآخرة . والقول الثالث : أن الرحمن مشتق من الرحمة التي يختص اللّه تعالى بها دون عباده ، والرحيم مشتق من الرحمة التي يوجد في العباد مثلها . [ سورة الفاتحة ( 1 ) : الآيات 2 إلى 3 ] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) قوله عزّ وجل : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . أما الْحَمْدُ لِلَّهِ فهو الثناء على المحمود بجميل صفاته وأفعاله ، والشكر الثناء عليه بإنعامه ، فكلّ شكر حمد ، وليس كلّ حمد شكرا ، فهذا فرق ما بين الحمد والشكر ، ولذلك جاز أن يحمد اللّه تعالى نفسه ، ولم يجز أن يشكرها . فأما الفرق بين الحمد والمدح ، فهو أن الحمد لا يستحق إلا على فعل