علي بن محمد البغدادي الماوردي
51
النكت والعيون تفسير الماوردى
أمورهم ، فقيل للمألوه إليه إله ، كما قيل للمؤتمّ به إمام . والقول الثاني : أنه مشتق من الألوهية ، وهي العبادة ، من قولهم فلان يتألّه ، أي يتعبد ، قال رؤبة بن العجاج « 63 » : للّه درّ الغانيات المدّه * لمّا رأين خلق المموّه سبّحن فاسترجعن من تألّه أي من تعبد ، وقد روي عن ابن عباس « 64 » أنه قرأ : وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ أي وعبادتك . ثم اختلفوا ، هل اشتق اسم الإله من فعل العبادة ، أو من استحقاقها ، على قولين : أحدهما : أنه مشتق من فعل العبادة ، فعلى هذا ، لا يكون ذلك صفة لازمة قديمة لذاته ، لحدوث عبادته بعد خلق خلقه ، ومن قال بهذا ، منع من أن يكون اللّه تعالى إلها لم يزل ، لأنه قد كان قبل خلقه غير معبود . والقول الثاني : أنه مشتق من استحقاق العبادة ، فعلى هذا يكون ذلك صفة لازمة لذاته ، لأنه لم يزل مستحقّا للعبادة ، فلم يزل إلها ، وهذا أصح القولين ، لأنه لو كان مشتقّا من فعل العبادة لا من استحقاقها ، للزم تسمية عيسى عليه السّلام إلها ، لعبادة النصارى له ، وتسمية الأصنام آلهة ، لعبادة أهلها لها ، وفي بطلان هذا دليل ، على اشتقاقه من استحقاق العبادة ، لا من فعلها ، فصار قولنا « إله » على هذا القول صفة من صفات الذات ، وعلى القول الأول من صفات الفعل « 65 » .
--> ( 63 ) ديوانه ص 165 . ( 64 ) وهذه قراءة شاذة والإسناد إلى ابن عباس فيها ضعيف . رواه الطبري برقم ( 142 ، 143 ) وقد نقل هذه القراءة الشاذة ابن خالويه في كتاب القراءات الشاذة ص 45 عن علي وابن مسعود وابن عباس . ( 65 ) اعلم أن السلف رحمهم اللّه يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل : أما صفات الذات فهي التي لا تنفك عنها الذات بل هي لازمة لها أزلا وأبدا ولا تتعلق بها مشيئة اللّه وقدرته وذلك كصفات الحياة والعلم والقدرة والقوة والعزة والملك والعظمة والكبرياء والمجد والجلال [ شرح العقيدة الواسطية ص 105 ] وجاء في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ( 6 / 217 ) تعريف الصفات الفعلية . قال : وهي الأمور التي يتصف بها الرب عزّ وجل فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته مثل كلامه ومحبته -