علي بن محمد البغدادي الماوردي

46

النكت والعيون تفسير الماوردى

فأما تسميتها بأم القرآن ، فلتقدّمها وتأخر ما سواها تبعا لها ، صارت أمّا لأنه أمّته أي تقدّمته ، وكذلك قيل لراية الحرب : أمّ لتقدّمها واتباع الجيش لها ، قال الشاعر : على رأسه أمّ لها يقتدى بها * جماع أمور لا يعاصى لها أمر وقيل لما مضى على الإنسان من سني عمره ، أمّ لتقدمها . قال الشاعر : إذا كانت الخمسون أمّك لم يكن * لرأيك إلّا أن يموت طبيب واختلف في تسميتها بأمّ الكتاب ، فجوّزه الأكثرون ، لأن الكتاب هو القرآن ، ومنع منه الحسن ، وابن سيرين « 53 » ، وزعما أن أمّ الكتاب ، اسم اللوح المحفوظ ، فلا يسمى به غيره لقوله تعالى : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ . [ الزخرف : 4 ] . وأما [ تسمية ] مكة بأم القرى ، ففيه قولان : أحدهما : أنها سمّيت أمّ القرى ، لتقدمها على سائر القرى . والثاني : أنها سمّيت بذلك ، لأن الأرض منها دحيت « 54 » وعنها حدثت ، فصارت أمّا لها لحدوثها عنها ، كحدوث الولد عن أمه . وأما تسميتها بالسبع المثاني ، فلأنها سبع آيات في قول الجميع . وأما الثاني ، فلأنها تثنى في كل صلاة من فرض وتطوع ، وليس في تسميتها بالمثاني ما يمنع من [ تسميته ] غيرها به قال أعشى همدان : فلجوا المسجد وادعوا ربّكم * وادرسوا هذي المثاني والطّول

--> - ( 2 / 246 ) ، أحمد برقم ( 29787 ) ، الطبري ( 1 / 107 ) ، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح . وزاد السيوطي في الدر المنثور ( 1 / 14 ) نسبته لابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه . ( 53 ) هو محمد بن سيرين الأنصاري ، أبو بكر . من التابعين ، من علماء الحديث والفقه وعبر الرؤيا سمع من ابن عمر ، جندب بن عبد اللّه البجلي وأبي هريرة وغيرهم . واتفقوا على أنه توفي بالبصرة سنة عشر ومائة . انظر : - سير أعلام النبلاء ( 4 / 606 ) ، تاريخ البخاري ( 1 / 90 ) ، تاريخ ابن عساكر ( 15 / 210 ) ، شذرات الذهب ( 1 / 138 ) وغيرها . ( 54 ) دليله في ذلك حديث سيأتي تخريجه قريبا .