علي بن محمد البغدادي الماوردي

458

النكت والعيون تفسير الماوردى

قوله تعالى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ روى السدي قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان ، لا يورثون الرجل من ولده إلّا من أطاق القتال ، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة يقال لها أم كجّة ، وترك خمس أخوات ، فجاءت الورثة فأخذوا ماله ، فشكت أم كجة ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ففرض للثلاث من البنات ، إذا انفردت عن ذكر ، الثلثين ، وفرض الواحدة إذا انفردت النصف ، واختلف في الثنتين ، فقال ابن عباس النصف ، من أجل قوله تعالى : فَوْقَ اثْنَتَيْنِ وذهب الجماعة إلى أن فرضهما الثلثان كالثلاث فصاعدا اعتبارا بالأخوات . ثم قال تعالى وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ قال ابن عباس : كان المال للولد ، وكانت الوصية للوالدين والأقربين ، فنسخ اللّه تعالى ذلك ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس . ثم قال : مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فسوّى بين كل واحد من الوالدين مع وجود الولد في أن لكل واحد منهما السدس ، ثم فاضل بينهما مع عدم الولد في أن جعل للأم الثلث والباقي للأب ، وإنما كان هكذا لأن الأبوين مع الولد يرثان فرضا بالولادة التي قد استويا فيها ، فسوّى بين فرضهما ، وإذا عدم الولد ورثت الأم فرضا لعدم التعصب فيها ، وورث الأب بالتعصيب ، لأنه أقوى ميراثا ، وجعل فرضها شطر ما حازه الأب بتعصيبه ، ليصير للذكر مثل حظ الأنثيين . فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ فلا خلاف أن الثلاثة من الأخوة يحجبونها من الثلث الذي هو أعلى فرضها إلى السدس الذي هو أقله ، ويكون الباقي بعد سدسها للأب .