علي بن محمد البغدادي الماوردي

40

النكت والعيون تفسير الماوردى

ولو لم يترجّح للمجتهد أحد الحكمين ، ولا غلب في نفسه أحد المعنيين لتكافؤ الأمارات عنده ، ففيه للعلماء مذهبان : أحدهما : أن يكون مخيرا ، للعمل في العمل على أيهما شاء . والمذهب الثاني : أن يأخذ بأغلظ المذهبين حكما . والضرب الثاني من اختلاف المعنيين : ألا يتنافيا ويمكن الجمع بينهما فهذا على ضربين : أحدهما : أن يتساويا ، ولا يترجّح أحدهما على الآخر بدليل ، فيكون المعنيان معا مرادين ، لأن اللّه تعالى لو أراد أحدهما النصب على مراده منهما دليلا ، وإن جاز أن يريد كل واحد من المعنيين بلفظين متغايرين لعدم التنافي بينهما ، جاز أن يريدهما بلف واحد ، يشتمل عليهما ، ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز والفصاحة . والضرب الثاني : أن يترجّح أحدهما على الآخر بدليل ، وهو على ضربين : أحدهما : أن يكون دليلا على بطلان أحد المعنيين ، فيسقط حكمه ، ويصير المعنى الآخر هو المراد ، وحكمه هو الثابت . والضرب الثاني : أن يكون دليلا على صحة أحد المعنيين فيثبت حكمه ويكون مرادا ، ولا يقتضي سقوط المعنى الآخر ، ويجوز أن يكون مرادا ، وإن لم يكن عليه دليل ، لأن موجب لفظه دليل ، فاستويا في حكم اللفظ ، وإن ترجّح أحدهما بدليل ، فصارا مرادين معا . وذهب بعض أهل العلم إلى أن المعنى الذي يرجح بدليل أثبت حكما من المعنى الذي تجرد عنه ولقوته بالدليل الذي ترجح به ، فهذا أصل يعتبر [ من ] وجود التفسير ، ليكون ما احتملته ألفاظ القرآن من اختلاف المعاني محمولا عليه ، فيعلم ما يؤخذ به ويعدل عنه . فإن قيل : فقد ورد الخبر بما يخالف هذا الأصل المقرّر ، وهو ما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، أنه قال : « ما نزل من القرآن من آية إلّا لها ظهر وبطن ولكلّ حرف