علي بن محمد البغدادي الماوردي

35

النكت والعيون تفسير الماوردى

نص صريح ، وهذا عدول عما تعبّد اللّه تعالى به خلقه في خطابهم بلسان عربي مبين ، قد نبه على معانيه ما صرح من اللغز والتعمية ، التي لا يوقف عليها إلا بالمواضعة إلى كلام حكيم ، أبان عن مراده ، وقطع أعذار عباده ، وجعل لهم سبلا إلى استنباط أحكامه ، كما قال تعالى : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ولو كان ما قالوه صحيحا ، لكان كلام اللّه غير مفهوم ، ومراده بخطابه غير معلوم ، ولصار كاللغز المعمّى ، فبطل الاحتجاج به ، وكان ورود النص على تأويله ، مغنيا عن الاحتجاج بتنزيله ، وأعوذ باللّه من قول في القرآن يؤدي إلى التوقف عنه ، ويؤول إلى ترك الاحتجاج به . ولهذا الحديث - إن صح - تأويل ، معناه : أنّ من حمل القرآن على رأيه ، ولم يعمل على شواهد ألفاظه ، فأصاب الحق ، فقد أخطأ الدليل . وقد روى محمد بن عثمان ، عن عمرو بن دينار « 36 » ، عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه » « 37 » . وفي قوله : « ذلول » تأويلان : أحدهما : أنه مطيع لحامليه ، حتى تنطلق فيه جميع الألسنة . والثاني : أنه موضّح لمعانيه ، حتى لا تقصر [ عنه ] أفهام المجتهدين فيه . وفي قوله : « ذو وجوه » تأويلان : أحدهما : أن ألفاظه تحمل من التأويل وجوها لإعجازه . الثاني : أنه قد جمع من الأوامر ، والنواهي ، والترغيب ، والتحليل ، والتحريم . وفي قوله : « فاحملوه على أحسن وجوهه » تأويلان :

--> ( 36 ) هو عمرو بن دينار أبو محمد الجمعي كان رحمه اللّه ذا فضل وجلالة ، قال الذهبي : مات في حدود الثلاثين ومائة له ترجمة في : التاريخ الكبير ( 4 / 122 ) ، التاريخ الصغير ( 169 ) ، طبقات ابن سعد ( 5 / 479 ) ، تاريخ الإسلام ( 5 / 114 ) ، العقد الثمين ( 6 / 374 ) . ( 37 ) رواه الدارقطني في السنن ( 4 / 145 ) وفي إسناده زكريا بن عطية قال أبو حاتم منكر الحديث كذا في الميزان . انظر : التعليق المغني على الدارقطني ( 4 / 145 ) .