علي بن محمد البغدادي الماوردي
348
النكت والعيون تفسير الماوردى
لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ يعني من قبورهم يوم القيامة ، وفيه قولان : أحدهما : كالسكران من الخمر يقطع « * » ظهرا لبطن ، ونسب إلى الشيطان لأنه مطيع له في سكره . والثاني : قاله ابن عباس ، وابن جبير ، ومجاهد ، والحسن : لا يقومون يوم القيامة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ ، يعني الذي يخنقه الشيطان في الدنيا من المس ، يعني الجنون ، فيكون ذلك في القيامة علامة لأكل الربا في الدنيا . واختلفوا في مس الجنون ، هل هو بفعل الشيطان ؟ فقال بعضهم : هذا من فعل اللّه بما يحدثه من غلبة السوداء فيصرعه ، ينسب إلى الشيطان مجازا تشبيها بما يفعله من إغوائه الذي يصرعه . وقال آخرون : بل هو من فعل الشيطان بتمكين اللّه له من ذلك في بعض الناس دون بعض ، لأنه ظاهر القرآن وليس في العقل ما يمنعه . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا قيل إنه يعني ثقيفا لأنهم كانوا أكثر العرب ربا ، فلمّا نهوا عنه قالوا : كيف ننهى عن الربا وهو مثل البيع فحكى اللّه تعالى ذلك عنهم ، ثم أبطل ما ذكروه من التشبيه بالبيع فقال تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا وللشافعي في قوله : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ثلاثة أقاويل : أحدها : أنها من العامّ الذي يجري على عمومه في إباحة كل بيع وتحريم كل ربا إلا ما خصهما دليل من تحريم بعض البيع وإحلال بعض الربا ، فعلى هذا اختلف في قوله ، هل هو من العموم الذي أريد به العموم ، أو من العموم الذي أريد به الخصوص على قولين : أحدهما : أنه عموم أريد به العموم وإن دخله دليل التخصيص . والثاني : أنه عموم أريد به الخصوص .
--> ( * ) كذا في الأصل ولعله يقع .