علي بن محمد البغدادي الماوردي
330
النكت والعيون تفسير الماوردى
إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ يريد أنه يحيي من وجب عليه القتل بالتخلية والاستبقاء ، ويميت بأن يقتل من غير سبب يوجب القتل ، فعارض اللفظ بمثله ، وعدل عن اختلاف الفعلين في علتهما . قالَ إِبْراهِيمُ : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فإن قيل : فلم عدل إبراهيم عن نصرة حجته الأولى إلى غيرها ، وهذا يضعف الحجة ولا يليق بالأنبياء ؟ ففيه جوابان : أحدهما : أنه قد ظهر من فساد معارضته ما لم يحتج معه إلى نصرة حجته ثم أتبع ذلك بغيره تأكيدا عليه في الحجة . والجواب الثاني : أنه لمّا كان في تلك الحجة إشغاب منه بما عارضها به من الشبهة أحب أنه يحتج عليه بما لا إشغاب فيه ، قطعا له واستظهارا عليه قال : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فإن قيل فهلّا عارضه النمرود بأن قال : فليأت بها ربك من المغرب ؟ ففيه جوابان : أحدهما : أن اللّه خذله بالصرف عن هذه الشبهة . والجواب الثاني : أنه علم بما رأى معه من الآيات أنه يفعل فخاف أن يزداد فضيحة . فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ فيه قولان : أحدهما : يعني تحيّر . والثاني : معناه انقطع ، وهو قول أبي عبيدة . وقرئ : فبهت الذي كفر بفتح الباء والهاء بمعنى أن الملك قد بهت إبراهيم بشبهته أي سارع بالبهتان . وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يحتمل وجهين : أحدهما : لا يعينهم على نصرة الظلم . والثاني : لا يخلّصهم من عقاب الظلم . ويحتمل الظلم هنا وجهين : أحدهما : أنه الكفر خاصة . والثاني : أنه التعدي من الحق إلى الباطل .