علي بن محمد البغدادي الماوردي
235
النكت والعيون تفسير الماوردى
قوله عزّ وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ بمعنى فرض عليكم الصيام ، والصيام من كل شيء الإمساك عنه ، ومن قوله تعالى : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا ، لأنه إمساك عن الكلام ، وذم أعرابي قوما فقال : يصومون عن المعروف ويقصون على الفواحش ، وأصله مأخوذ من صيام الخيل ، وهو إمساكها عن السير والعلف ، قال النابغة الذبياني : خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما « 279 » ولذلك قيل لقائم الظهيرة : قد صام النهار ، لإبطاء الشمس فيه عن السير ، فصارت بالإبطاء كالممسكة عنه ، قال الشاعر : فدعها وسلّ الهمّ عنك بجسرة * ذمول إذا صام النهار وهجّرا « 280 » إلا أن الصوم في الشرع : إنما هو إمساك عن محظورات الصيام في زمانه ، فجعل الصيام من أوكد عباداته وألزم فروضه ، حتى روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « يقول اللّه عزّ وجلّ : كلّ عمل ابن آدم له إلّا الصّوم فإنّه لي وأنا أجزي به ، ولخلوف فم الصّائم أطيب عند اللّه من ريح المسك » « 281 » . وإنما اختص الصوم بأنه له ، وإن كان كل العبادات له ، لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات : أحدهما : أن الصوم منع من ملاذّ النفس وشهواتها ، ما لا يمنع منه سائر العبادات . والثاني : أن الصوم سر بين العبد وربه لا يظهر إلا له ، فلذلك صار مختصا به ، وما سواه من العبادات ظاهر ، ربما فعله تصنّعا ورياء ، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره .
--> ( 279 ) ديوانه ص 106 . ( 280 ) هذا البيت لإمرئ القيس . ( 281 ) رواه البخاري ( 3 / 24 ) ومسلم ( 5 / 132 ) والنسائي ( 4 / 59 ) من حديث أبي هريرة .