علي بن محمد البغدادي الماوردي
198
النكت والعيون تفسير الماوردى
واختلف أهل العلم في استقبال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيت المقدس ، هل كان برأيه واجتهاده ، أو كان عن أمر اللّه تعالى لقوله : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ، وهذا قول ابن عباس وابن جريج . والقول الثاني : أنه كان يستقبلها برأيه واجتهاده ، وهذا قول الحسن ، وعكرمة ، وأبي العالية ، والربيع . واختلفوا في سبب اختياره بيت المقدس على قولين : أحدهما : أنه اختار بيت المقدس ليتألّف أهل الكتاب ، وهذا قول أبي جعفر الطبري . والثاني : لأن العرب كانت تحج البيت غير آلفة لبيت المقدس ، فأحب اللّه أن يمتحنهم بغير ما ألفوه ، ليعلم من يتبع ممن ينقلب على عقبيه ، وهذا قول أبي إسحاق الزجاج ، فلما استقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الكعبة ، قال ابن عباس « 255 » : أتى رفاعة بن قيس وكعب بن الأشرف والربيع وكنانة بن أبي الحقيق ، فقالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما ولّاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه ؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها ، نتبعك ونصدقك . وإنما يريدون فتنته عن دينه ، فأنزل اللّه تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ؟ قُلْ : لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني حيثما أمر اللّه تعالى باستقباله من مشرق أو مغرب ، والصراط : الطريق : والمستقيم : المستوي . قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً . فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : يعني خيارا ، من قولهم فلان وسط الحسب في قومه ، إذا أرادوا بذلك الرفيع في حسبه ، ومنه قول زهير :
--> ( 255 ) رواها ابن إسحاق في السيرة ( 2 / 198 - 199 ) ومن طريقه ابن جرير الطبري في التفسير ( 3 / 132 برقم 2149 ) وزاد السيوطي في الدر ( 1 / 324 ) نسبته لابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل . والحديث في سنده محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت قال الذهبي لا يعرف وترجم له البخاري في التاريخ ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا ووثقه ابن حبان .