علي بن محمد البغدادي الماوردي

194

النكت والعيون تفسير الماوردى

قوله تعالى : وَقالُوا : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا يعني أن اليهود قالوا : كونوا هودا تهتدوا ، وقالت النصارى : كونوا نصارى تهتدوا ، فرد اللّه تعالى ذلك عليهم ، فقال : قُلْ : بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وفي الكلام حذف ، يحتمل وجهين : أحدهما : أن المحذوف بل نتبع ملة إبراهيم ، ولذلك جاء به منصوبا . والثاني : أن المحذوف بل نهتدي بملة إبراهيم ، فلما حذف حرف الجر ، صار منصوبا ، والملة : الدين ، مأخوذ من الإملاء ، أي ما يملون من كتبهم . وأما الحنيف ، ففيه أربعة تأويلات : أحدها : أنه المخلص ، وهو قول السدي . والثاني : أنه المتّبع ، وهو قول مجاهد . والثالث : الحاج ، وهو قول ابن عباس ، والحسن . والرابع : المستقيم . وفي أصل الحنيف في اللغة وجهان : أحدهما : الميل ، والمعنى أن إبراهيم حنف إلى دين اللّه ، وهو الإسلام فسمي حنيفا ، وقيل للرجل أحنف لميل كل واحدة من قدميه إلى أختها . والوجه الثاني : أن أصله الاستقامة ، فسمّي دين إبراهيم « الحنيفية » لاستقامته وقيل للرجل أحنف ، تطيّرا من الميل وتفاؤلا بالاستقامة ، كما قيل للّديغ سليم ، وللمهلكة من الأرض مفازة . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 136 إلى 138 ] قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 136 ) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 137 ) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ ( 138 )