علي بن محمد البغدادي الماوردي

111

النكت والعيون تفسير الماوردى

وقوله : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ والذكر اسم مشترك ، فالذكر بالقلب ضد النسيان ، والذكر باللسان ضد الإنصات ، والذكر الشرف ، وقال الكسائي : ما كان بالقلب فهو مضموم الذال ، وقال غيره : هو لغتان : ذكر وذكر ، ومعناهما واحد . والمراد بالآية الذكر بالقلب ، وتقديره : لا تغفلوا عن نعمتي ، التي أنعمت عليكم ولا تناسوها . وفي النعمة التي أنعمها عليهم قولان : أحدهما : عموم نعمه الّتي أنعم بها على خلقه ، كما قال تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ النحل : 18 ] . والثاني : وهو قول الحسن البصري ، أنه أراد نعمه على آبائهم ، إذ نجّاهم من آل فرعون ، وجعل منهم الأنبياء ، وأنزل عليهم الكتب ، وفجّر لهم الحجر ، وأنزل عليهم المنّ والسلوى ، والنعم على الآباء ، نعم على الأبناء ، لأنهم يشرفون بشرف آبائهم . وفي قوله تعالى : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ قولان : أحدهما : أوفوا بعهدي الذي أخذت عليكم من الميثاق ، أن تؤمنوا بي وتصدقوا رسلي ، أوف بعهدكم على ما وعدتكم من الجنة . والثاني : قاله عبد اللّه بن عباس : أوفوا بما أمرتكم ، أوف بما وعدتكم إيّاه . وفي تسمية ذلك عهدا قولان : أحدهما : لأنه عهده في الكتب السالفة . والثاني : أنه جعله كالعهد ، الذي هو يمين للزوم الوفاء بهما معا . قوله عزّ وجل : وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ يعني من القرآن على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ يعني من التوراة ، وفيه ثلاثة أقاويل : أحدها : مصدقا لما في التوراة ، من توحيد اللّه وطاعته . والثاني : مصدقا لما في التوراة ، أنها من عند اللّه . والثالث : مصدقا لما في التوراة من ذكر القرآن ، وبعثه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم نبيّا .