ابو القاسم عبد الكريم القشيري
94
لطائف الإشارات
ويرحم من يشاء بالتوحيد والوجود . يعذب من يشاء بالحرص ويرحم من يشاء بالقناعة . يعذّب من يشاء بتفرقة الهمّ ويرحم من يشاء بجمع الهمّة . يعذب من يشاء بإلقائه في ظلمة التدبير ، ويرحم من يشاء بإشهاده جريان التقدير . يعذب من يشاء بالاختيار من نفسه ، ويرحم من يشاء برضاه بحكم ربّه . يعذب من يشاء بإعراضه عنه ، ويرحم من يشاء بإقباله عليه . يعذب من يشاء بأن يكله ونفسه ، ويرحم من يشاء بأن يقوم بحسن تولّيه . يعذب من يشاء بحبّ الدنيا ويمنعها عنه ، ويرحم من يشاء بتزهيده فيها وبسطها عليه . يعذب من يشاء بأن يثبته في أوطان العادة ، ويرحم من يشاء بأن يقيمه بأداء العبادة . . . وأمثال هذا كثير . قوله جل ذكره : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 22 ] وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 22 ) نقلّب الجملة في القبضة ، ونجرى عليهم أحكام التقدير : جحدوا أم وحّدوا ، أقبلوا أم أعرضوا . قوله جل ذكره : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 23 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 23 ) تعجلت عقوبتهم بأن يئسوا من رحمته . . ولا عقوبة أشدّ من هذا . قوله جل ذكره : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 24 ] فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 24 ) لمّا عجزوا عن جوابه ولم يساعدهم التوفيق بالإجابة أخذوا في معارضته بالتهديد والوعيد ، والسفاهة والتوبيخ ، واللّه تعالى صرف عنه كيدهم ، وكفاه مكرهم ، وأفلج عليهم عليهم حجّته « 1 » ،
--> ( 1 ) أفلج اللّه عليهم حجته أي أظهرها وأثبتها .