ابو القاسم عبد الكريم القشيري

83

لطائف الإشارات

فأمّا للأصاغر والعوام فتلك الدار الآخرة « نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ » كعلوّ فرعون « وَلا فَساداً » كفساد قارون « 1 » . ويقال الزهاد لا يريدون في الأرض علوّا ، والعارفون لا يريدون في الآخرة والجنة علوّا . ويقال « تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ » للعبّاد والزّهاد ، وهذه الرحمة الحاضرة لأرباب الافتقار والانكسار . قوله جل ذكره : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 84 ] مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 84 ) ثواب الحسنة في التضعيف ، وأمر السيئة بناؤه على التخفيف . والمؤمن - وإن كان صاحب كبائر - فسيئاته تقصر في جنب حسناته التي هي إيمانه ومعرفته . قوله جل ذكره : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 85 ] إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 85 ) « لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ » : في الظاهر إلى مكة . . وكان يقول كثيرا : « الوطن الوطن » « 2 » ، فحقّق اللّه سؤله . وأمّا في السّرّ والإشارة فإنه « فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ » أي يسّر لك قراءة القرآن ، والمعاد هو الوصف الذي كانت عليه روحك قبل حلول شجّك « 3 » من ملادغات القرب ومطالعات الحقّ .

--> ( 1 ) أحسن القشيري إذ جعل وظيفة هذه الآية التعقيب على القصتين السابقتين فأبان تماسك الأسلوب القرآني . ( 2 ) ولهذا يرى ابن عباس أن هذه الآية لا مكية ولا مدنية وإنما نزلت في الجحفة . ( 3 ) هكذا في النسختين ، فإن صحت في النقل من الأصل فربما كان المقصود ( ما أصابك من جراحات الحب ) ، ويتأيد فهمنا بما يلي ذلك وربما كانت ( شجنك ) أي لوعة حبك - واللّه أعلم .