ابو القاسم عبد الكريم القشيري
74
لطائف الإشارات
قالوا نخاف الأعراب على أنفسنا إن صدّقناك ، وآمنّا بك ، ( لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم ) « 1 » فقال اللّه تعالى : وكيف تخافونهم وترون اللّه أظفركم على عدوّكم ، وحكمنا بتعظيم بيتكم ، وجعلنا مكة تجبى إليها ثمرات كل شئ من أقطار الدنيا ؟ ويقال من قام بحقّ اللّه - سبحانه - سخّر له الكون بجملته ، ومن اشتغل برعاية سرّه للّه ، وقام بحقّ اللّه ، واستفرغ أوقاته في عبادة اللّه مكّن من التصرّف بهمته في مملكة اللّه ؛ فالخلق مسخّر له ، والوقت طوع أمره ، والحقّ - سبحانه - متول « 2 » أيامه وأعماله يحقّق ظنّه ، ولا يضيّع حقّه . أمّا الذي لا يطيعه فيهلك في أودية ضلاله ، ويتيه « 3 » في مفازات خزيه ، ويبوء بوزر هواه . قوله جل ذكره : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 58 ] وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ( 58 ) لم يعرفوا قدر نعمتهم ، ولم يشكروا سلامة أحوالهم ، وانتظام أمورهم ، فهاموا في أودية الكفران على وجوههم ، فخرّوا في أودية الصغار على أذقانهم ، وأذاقهم اللّه من كاسات الهوان ما كسر خمار بطرهم ؛ فأماكنهم منهم خالية ، وسقوفها عليهم خاوية ، وغربان الدمار فيها ناعية .
--> ( 1 ) ما بين القوسين غير موجود في النص ، ولكنها تتمه لسبب نزول الآية كما أورده الواحدي ، حيث ذكر أن الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن عبد مناف الذي قال النبي ( ص ) : إنا لنعلم أن الذي تقول حق ولكن يمنعنا من اتباعك أنا نخاف . . . . إلخ ( أسباب النزول الواحدي ص 228 ) . ( 2 ) ومن هذا المنطلق يصدر القشيري رأيه في ( الولاية ) وما يتصل بها من ( الكرامة ) . ( 3 ) هكذا في الأصل وهي تحمل معنيين : التكبّر ، والضلال في الأرض .