ابو القاسم عبد الكريم القشيري

56

لطائف الإشارات

لمّا ألقته في الماء سكّن اللّه قلبها ، وربط عليه ، وألهمها الصبر ، وأصبح فؤادها فارغا إن كادت لتبدى به من حيث ضعف « 1 » البشرية ، ولكن اللّه ربط على قلبها . قوله جل ذكره : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 11 ] وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 11 ) أمرت أمّ موسى أخته أن تتبع أثره ، وتنظر إلى ماذا يؤول أمره ، فلمّا وجدوه واستمكن حبّه من قلوبهم طلبوا من يرضعه : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 12 إلى 13 ] وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ( 12 ) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) أبى موسى قبول ثدي واحدة ممن عرض عليهن . . فمن بالغداة كانوا في اهتمام كيف يقتلونه أمسوا - وهم في جهدهم - كيف يغذّونه « 2 » ! فلمّا أعياهم أمره ، قالت لهم أخته : « هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ؟ » فقبلوا نصيحتها شفقة منهم عليه ، وقالوا : نعم ، فردّوه إلى أمّه « 3 » ، فلمّا وضعت ثديها في فمه ارتضعها موسى فسرّوا بذلك ، وكانوا يدعون أمّه حاضنة ومرضعة . . ولم يضرها ، وكانوا يقولون عن فوعون : إنه أبوه . . ولم ينفعه ذلك « 4 » !

--> ( 1 ) هكذا في م ، وقد أخطأ الناسخ في ص حين أضاف لفظة ( اللّه ) بعد ( ضعف ) . ( 2 ) هكذا في م ، وفي ص ( يعذبونه ) وهي خطأ في النسخ كما هو واضح . ( 3 ) هكذا في م ، وفي ص ( آمره ) وهي خطأ في النسخ كما هو واضح . ( 4 ) يقصد القشيري إلى شئ بعيد هو أن أحكام الناس ليست بالضرورة صائبة ، وأن للأمور حقائق وجواهر وبواطن خافية ، وأن أسماء الأشياء وظواهرها لا عبرة بها .