ابو القاسم عبد الكريم القشيري
5
لطائف الإشارات
السورة التي يذكر فيها الشعراء بسم اللّه الرّحمن الرّحيم بسم اللّه اسم عزيز يرتضى من الزاهد ترك دنياه ، ومن العابد مخالفة هواه ، ومن القاصد قطع مناه ، ولا يرضى من العارف أن يساكن شيئا غير مولاه . إن خرج عن كلّ مرسوم - بالكلية ، وانسلخ عن كل معلوم - من غير أن تبقى له منه بقية فلعلّه يجد شظيّة . وإن عرّج على شئ ، ولم يصف من الكدورات - حتى عن يسيرها - وإن دقّ - فإنه كما في الخبر : « المكاتب عبد ما بقي عليه درهم » . قوله جل ذكره : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم ( 1 ) ذكرنا فيما مضى اختلاف السّلف في الحروف المقطّعة ؛ فعند قوم : الطاء إشارة إلى طهارة عزّه وتقدّس علوّه ، والسين إشارة ودلالة على سناء جبروته ، والميم دلالة على مجد جلاله في آزاله . ويقال الطاء إشارة إلى شجرة طوبى ، والسين إلى سدرة المنتهى ، والميم إلى اسم محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ أي ارتقى محمد ليلة الإسراء عن شهوده شجرة طوبى حتى بلغ سدرة المنتهى ، فلم يساكن شيئا من المخلوقات في الدنيا والعقبى « 1 » .
--> ( 1 ) أورد القشيري في كتابه « المعراج » طائفة كبيرة من الأخبار نفهم منها أن الرسول صلوات اللّه عليه وسلامه لم يتطلع إلى شئ مما رأى من عجائب المخلوقات وعظائم النعم في تلك الليلة ، بل كان خالص القصد إلى الحق ، وبعبارة صوفية دقيقة : كان فانيا بحقوق ربه عن حظوظ نفسه ، فما زاغ البصر وما طغى . وفي ذلك يقول رويم : « لما أكرم المصطفى ( ص ) بأعظم الشرف في المسرى علت همته عن الالتفات إلى الآيات والكرامات ، والجنة والنار ، فما زاغ البصر ؛ أي ما أعار طرفه شيئا من الأكوان ، ومن شاهد البحر استقلّ الأنهار والأودية . ( المعراج ص 112 ) ويقول القشيري في ص 102 من الكتاب نفسه : يروى في الخير أنه « لما ركب البراق لم يعرّج على شئ ،