ابو القاسم عبد الكريم القشيري
41
لطائف الإشارات
طبق كبير صاف مضىء ، ووضعه فوق بركة بها ماء كثير عميق ، يرى الماء من أسفل الزجاج ولا يميّز بين الزجاج والماء ، وأمرت أن تخوض تلك البركة ، فكشفت عن ساقيها ؛ لأنها وصفت لسليمان بأنها جنّية النّسب ، وأن رجليها كحوافر الدواب ، فتقوّلوا عليها . ولمّا توهّمت أنها تخوض الماء كشفت عن ساقيها ، فرأى سليمان رجليها صحيحين . وقيل لها : « إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ » : فصار ذلك أيضا سببا وموجبا ليقينها . وآمنت وتزوج بها سليمان عليه السلام . قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 45 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ ( 45 ) ذكر قصة ثمود ، وقصة نبيّهم صالح عليه السلام ، وما جرى بينه وبينهم من التكذيب ، وطلبهم منه معجزة ، وحديث الناقة وعقرها ، وتبرمهم بالناقة بعد أن رأوا فيها من الفعل الذي كانت لهم فيه أعظم آية . . إلى قوله : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 50 ] وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 50 ) ومكرهم ما أظهروا في الظاهر من موافقة صالح ، وعقرهم الناقة خفية ، وتوريك الذّنب على غير جارمه « 1 » ، والتبرّى من اختيارهم ذلك . وأمّا مكر اللّه فهو جزاؤهم على مكرهم بإخفاء ما أراد بهم من العقوبة عنهم ، ثم إحلالها بهم بغتة . فالمكر من اللّه تخليته إياهم مع مكرهم بحيث لا يعصمهم ، وتزيين ذلك في أعينهم ، وتحبيب ذلك إليهم . . ولو شاء لعصمهم . ومن أليم مكره انتشار الصيت بالصلاح ، والعمل في السّرّ بخلاف ما يتوهم بهم من الصلاح ، وفي الآخرة لا يجوز في سوقها هذا النّقد ! « 2 » .
--> ( 1 ) أي إلقاء الجرم على غير من اقترف الجرم . ( 2 ) جميل من القشيري تعبيره عن أسلوب ( التعامل ) بين الخلق والمخلوق مكرا بمكر بلفظة ( النقد ) . . وفي لآخرة لا يسرى هذا النقد ، فلا يجدى مكرهم فتيلا لأن التعامل في ( سوق ) الآخرة يكون على نحو آخر .