ابو القاسم عبد الكريم القشيري

39

لطائف الإشارات

« الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ » ( قيل هو آصف ) « 1 » وكان صاحب كرامة . وكرامات الأولياء ملتحقة بمعجزات الأنبياء ، إذ لو لم يكن النبيّ صادقا في نبوته لم تكن الكرامة تظهر على من يصدّقه ويكون من جملة أمته . ومعلوم أنه لا يكون في وسع البشر الإتيان بالعرش بهذه السرعة ، وأن ذلك لا يحصل إلا بخصائص قدرة اللّه تعالى . وقطع المسافة البعيدة في لحظة لا يصح تقديره في الجواز إلا بأحد وجهين : إمّا بأن يقدّم « 2 » اللّه المسافة بين ( العرش وبين منزل سليمان ) « 3 » ، وإمّا بأن يعدم العرش ثم يعيده في الوقت الثاني بحضرة سليمان . وأيّ واحد من القسمين كان - لم يكن إلّا من قبل اللّه ، فالذي كان عنده علم من الكتاب دعا اللّه - سبحانه - واستجاب له في ذلك ، وأحضر العرش ، وأمر سليمان حتى غيّر صورته فجعل أعلاه أسفله ، وأسفله أعلاه ، وأثبته على تركيب آخر غير ما كان عليه . ولمّا رأى سليمان ذلك أخذ في الشكر للّه - سبحانه - والاعتراف بعظم نعمه ، والاستحياء ، والتواضع له ، وقال : « هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي » لا باستحقاق منى ، ولا باستطاعة من غيرى ، بل أحمد النعمة لربّى حيث جعل في قومي ومن أمتي من له الجاه عنده فاستجاب دعاءه . وحقيقة الشكر - على لسان العلماء - الاعتراف بنعمة المنعم على جهة الخضوع والأحسن أن يقال الشكر هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه ، فيدخل في هذا شكر اللّه للعبد لأنه ثناء منه على العبد بذكر إحسان العبد ، وشكر العبد ثناء على اللّه بذكر إحسانه . . إلّا إنّ إحسان الحقّ هو إنعامه ، وإحسان العبد طاعته وخدمته للّه ، وما هو الحميد من أفعاله . فأمّا على طريق أهل المعاملة وبيان الإشارة : فالشكر صرف النعمة في وجه الخدمة .

--> ( 1 ) ما بين القوسين موجود في م وغير موجود في ص . ( 2 ) في م ( يعدم ) بالعين ، وإعدام المسافة أي جعلها في حكم العدم مقبول في المعنى ، وينسجم مع جعل العرش في حكم العدم وإعادة خلقه من جديد . . وكذلك تقديم المسافة ( بالقاف ) مقبول حتى يصبح نقله من مكان إلى مكان قريب ميسورا ، فالإعدام أو التقديم كلاهما مقبول لأن القدرة الإلهية تشملهما . ( 3 ) هكذا في م ولكنها في ص ( بين القريتين ) أي قرية سليمان وقرية بلقيس .