ابو القاسم عبد الكريم القشيري
33
لطائف الإشارات
وقيل يفرّق بينه وبين أليفه . وقيل يشتّت عليه وقته . وقيل يلزمه خدمة أقرانه . والأولى في هذا أن يقال من العذاب الشديد كيت وكيت ، وألا يقطع بشئ دون غيره على وجه القطع . فمن العذاب الشديد أن يمنع حلاوة الخدمة فيجد ألم المشقة . ومن ذلك أن يقطع عنه حسن التولي لشأنه ويوكل إلى حوله ونفسه ، ومن ذلك أن يمتحن بالحرص في الطلب ثم يحال بينه وبين مقصوده ومطلوبه . ومن العذاب الشديد الطمع في اسم العذر ثم لا يرتفع « 1 » . ومن ذلك سلب القناعة ، ومنه عدم الرضا بما يجرى . ومن ذلك توهم الحدثان وحسبان شئ من الخلق . ومن ذلك الحاجة إلى الأخسّة من الناس . ومن ذلك ذلّ السؤال مع الغفلة عن شهود التقدير ومن ذلك صحبة الأضداد والابتلاء بمعاشرتهم . ومن ذلك ضعف اليقين وقلة الصبر . ومن ذلك التباس طريق الرّشد . ومنه حسبان الباطل بصفة الحق ، والتباس الحقّ في صورة الباطل . ومنه أن يطالب بما لا تتسع له ذات يده . ومنه الفقر في الغربة . قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 22 إلى 23 ] فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ( 22 ) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ( 23 ) فلم يلبث الهدهد أن جاء ، وعلم أن سليمان قد تهدّده ، فقال : أحطت علما بما هو عليك خاف ، « وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ » ثم ذكر حديث بلقيس ، وأنها ملكتهم ، وأن لها من المال والملك والسرير العظيم
--> ( 1 ) عاد القشيري إلى الآية نفسها في رسالته حيث يقول : وقيل في قوله تعالى : لأعذبنه عذابا شديدا - يعنى لأسلبنه القناعة ولأبتلينّه بالطمع يعنى أسأل اللّه تعالى أن يفعل به ذلك ( الرسالة - ص 82 ) .