ابو القاسم عبد الكريم القشيري
30
لطائف الإشارات
سخّر اللّه لسليمان - عليه السلام - الجنّ والطير ، فكان الجنّ مكلّفين ، والطير كانت مسخّرة إلا أنه كان عليها شرع ، وكذلك الحيوانات التي كانت في وقته ، حتى النمل كان سليمان يعرف . خطابهم وينفذ عليهم حكمه . قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 18 ] حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 ) قيل إن سليمان استحضر أمير النمل الذي قال لقومه : « ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ » وقال له : أما علمت أنّى معصوم ، وأنّى لن أمكّن عسكرى من أن يطئوكم ؟ فأخبره أمير النمل أنّه لا يعلم ذلك ؛ لأنه ليس بواجب أن يكون النمل عالما بعصمة سليمان . ولو قال : لعلكم أبيح لكم ذلك . . لكان هذا أيضا جائزا . وقيل إن ذلك النمل قال لسليمان : إني أحمل قومي على الزهد في الدنيا ، وخشيت إن يروكم في ملككم أن يرغبوا فيها « 1 » ، فأمرتهم بدخول مساكنهم لئلا يتشوّش عليهم زهدهم . ولئن صحّ هذا ففيه دليل على وجوب سياسة الكبار لمن هو في رعيتهم . وفي الآية دليل على حسن الاحتراز ممّا يخشى وقوعه ، وأنّ ذلك مما تقتضيه عادة النّفس وما فطروا عليه من التمييز . ويقال إن ذلك النمل قال لسليمان : ما الذي أعطاك اللّه من الكرامة ؟ . فقال : سخّر لي الريح . فقال : أما علمت أنّ الإشارة فيه أنه ليس بيدك مما أعطيت إلا الريح ؟ « 2 » . وهكذا بيّنه الكبير على لسان الصغير ! . قوله جلّ ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 19 ] فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 ) .
--> ( 1 ) الضمير في ( فيها ) يعود على الدنيا . ( 2 ) أي أنه عطاء زائل لا مكث له ولا قرار .