ابو القاسم عبد الكريم القشيري

29

لطائف الإشارات

ويحتمل أن يكون علمهما بأحوال أمتهما على وجه الإشراف على ما كانوا يستسرون به ، فيكون إخبارهما عن ذلك معجزة لهما . ويحتمل أن يكون قوله : « عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ » . ويحتمل أن يكون علمهما باللّه على وجه زيادة لهما في البيان . وفي الآية دليل على أن التفضيل الذي يحصل بالعلم لا يحصل بغيره من الصفات ، فأخبر بأنهما شكرا اللّه على عظيم ما أنعم به عليهما « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 16 ] وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( 16 ) ورث أباه في النبوة ، وورثه في أن أقامه مقامه . قوله : « عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ » : وكان ذلك معجزة له ، أظهرها لقومه ليعلموا بها صدق إخباره عن نبوته . ومن كان صاحب بصيرة وحضور قلب باللّه يشهد الأشياء كلّها باللّه ومن اللّه . ويكون مكاشفا بها من حيث التفهيم ، فكأنه يسمع من كل شيء تعريفات الحقّ - سبحانه - للعبد مما لا نهاية له ، وذلك موجود فيهم محكيّ عنهم . وكما أنّ ضرب الطّبل مثلا دليل يعرف - بالمواضعة - عند سماعه وقت الرحيل والنزول فالحقّ - سبحانه - يخصّ أهل الحضور بفنون التعريفات ، من سماع الأصوات وشهود أحوال المرئيات في اختلافها ، كما قيل : إذا المرء كانت له فكرة * ففي كل شئ له عبرة قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 17 ] وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 ) .

--> ( 1 ) قال صلى اللّه عليه وسلم : « العلماء ورثة الأنبياء » والعلم نعمة تحتاج إلى الشكر ، ويلزم أن يعتقد العالم أنه إن فضّل على كثير فقد فضل عليه كثير أيضا ، وما أحسن قول عمر رضى اللّه عنه : كل الناس أفقه من عمر .