ابو القاسم عبد الكريم القشيري
28
لطائف الإشارات
لم يظهر اللّه - سبحانه - آية على رسول من أنبيائه - عليهم السلام - إلّا كانت في الوضوح بحيث لو وضعوا النظر فيها موضعه لتوصّلوا إلى حصول العلم وثلج الصدور ، ولكنهم قصّروا في بعضها بالإعراض عن النظر فيها ، وفي بعضها الآخر عرفوها وقابلوها بالجحد . قال تعالى وقوله صدق : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 14 ] وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 14 ) وكما يحصل من الكافر الجحد « 1 » تحصل للعاصي عند الإلمام ببعض الذنوب حالة يعلم فيها - بالقطع - أن ما يفعله غير جائز ، وتتوالى على قلبه الخواطر الزاجرة الداعية له عن فعلها من غير أن يكون متغافلا عنها أو ناسيا لها ، ثم يقدم على ذلك غير محتفل بها موافقة لشهوته . وهذا الجنس من المعاصي أكثرها شؤما ، وأشدّها في العقوبة ، وأبعدها عن الغفران . قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 15 ] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( 15 ) يقتضى حكم هذا الخطاب أنه أفردهما بجنس من العلم لم يشاركهما فيه أحد ؛ لأنه ذكره على وجه تخصيصهما به ، ولا شكّ أنه كان من العلوم الدينية ؛ ويحتمل أنه كان بزيادة بيان لهما أغناهما عن إقامة البرهان عليه وتصحيحه بالاستدلال الذي هو معرّض للشك فيه « 2 » .
--> ( 1 ) ليس حتما أن يكون جحد الجاحد بعد المعرفة لأن ( جحد ) بمعنى أنكر ، وقد يكون الإنكار نتيجة جهل بالشيء ، ولكن الواضح أن القشيري يتجه إلى توضيح أسوأ ألوان الجحود ، وهو الذي يحدث بعد المعرفة ، وقد أحسن القشيري حين قابل بين ذلك وبين أسوأ أحوال العاصي ، وهي تلك التي يقدم فيها على المعصية وهو عليم بعاقبتها ، ومع ذلك يعقد النية عليها ، ويفعلها . ( 2 ) نعلم من مذهب القشيري أن البيان أرقى في المعراج العرفاني من البرهان ، ونجد هنا سبب تفوق البيان على البرهان .