ابو القاسم عبد الكريم القشيري

26

لطائف الإشارات

ولا ينكر في الجواز أن يكون اللّه أسمع موسى كلامه بإسماع خلقه له ، وخلق كلاما في الشجرة أيضا ، فموسى سمع كلامه القديم وسمع كلاما مخلوقا في الشجرة . . . وهذا من طريق العقل جائز . قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 8 ] فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 8 ) أي بورك من هو في طلب النار ومن هو حول النار « 1 » . ومعنى بورك أي لحقته البركة أو أصابته البركة . . والبركة الزيادة والنّماء في الخير . والدعاء من القديم - سبحانه - بهذا يكون تحقيقا له وتيسيرا به . قوله جل ذكره [ سورة النمل ( 27 ) : آية 9 ] يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) الذي يخاطبك « أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ » في استحقاق جلالي ، « الْحَكِيمُ » في جميع أفعالى . قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 10 ] وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ( 10 ) في آية أخرى بيّن أنه سأله ، وقال له على وجه التقرير : « وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ؟ » وأجابه بقوله : « هِيَ عَصايَ » وذكر بعض ما له فيها من المآرب والمنافع ، فقال اللّه : « وَأَلْقِ عَصاكَ » ، وذلك لأنه أراد أن يريه فيها من عظيم البرهان ما يجعل له كمال اليقين . وألقاها موسى فقلبها اللّه ثعبانا ، أولا حية صغيرة ثم صارت حية كبيرة ، فأوجس في نفسه موسى خيفة وولّى مدبرا هاربا ، وكان خوفه من أن يسلّطها عليه لمّا كان عارفا بأن اللّه يعذّب من يشاء بما يشاء ، فقال له الحقّ : « يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ » . أي لا ينبغي لهم أن يخافوا .

--> ( 1 ) يرى النسفي أن ( من ) في مكان النار هم الملائكة ، و ( من حولها ) هو موسى . ( النسفي ح 3 ص 202 ) .