ابو القاسم عبد الكريم القشيري
18
لطائف الإشارات
وهو « عزيز » لم يستضرّ بقبيح أعمالهم ، ولو كانوا أجمعوا على طاعته لمّا تجمّل بأفعالهم « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 127 ] وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ( 127 ) أخبر عن كل واحد من الأنبياء أنه قال : « ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ » ليعلم الكافة أنّ من عمل للّه فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غير اللّه . وفي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدّبوا بأنبيائهم ، وألّا يطلبوا من الناس شيئا في بثّ علومهم ، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم ، والتذكير لهم أنه من ارتفق في بثّ ما يذكّر به من الدّين وما يعظ به المسلمين فلا يبارك اللّه للناس فيما منه يسمعون ، ولا للعلماء أيضا بركة فيما من الناس يأخذون ، إنهم يبيعون دينهم بعرض يسير ، ثم لا بركة لهم فيه ، إذ لا يبتغون به اللّه ، وسيحصلون على سخط اللّه . قوله جل ذكره : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 192 إلى 195 ] وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 ) كلام اللّه « 2 » العزيز منزّل على قلب الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - في الحقيقة بسفارة جبريل عليه السلام . والكلام من اللّه غير منفصل ، وبغير اللّه غير متصل . . وهو - على الحقيقة لا على المجاز - منزّل . ومعناه أن جبريل - عليه السلام - كان على السماء . فسمع من الربّ ، وحفظ ، ونزل ، وبلّغ الرسول . فمرّة كان يدخل عليه حالة تأخذه عنه « 3 » عند
--> ( 1 ) لأن اللّه - سبحانه - لا يلحقه زين بطاعة ولا شين بمعصية . ( 2 ) ينبغي الاهتمام برأي القشيري هنا عند بحث قضية « خلق القرآن » ، ومدى النظرة إلى ما بين دفّى المصحف ، ومقارنة ذلك ( بكلام ) اللّه إلى موسى عند الشجرة . . موضوع هام ناقشه القشيري في كتابه ( شكاية أهل السنة ) . ( 3 ) تأمل كيف ينظر الصوفية إلى حالة المصطفى ( ص ) عند تلقى الوحي على أنها حالة عرفانية ، فالعرفان لا يتم إلا عند الامتحاء .