ابو القاسم عبد الكريم القشيري

17

لطائف الإشارات

فيقول : يا ربّ . . لم يعطني أحد حسنة من حسناته . فيقول اللّه - سبحانه : عبدي . . ألم يكن لك صديق ( فيّ ) « 1 » ؟ فيتذكر العبد ويقول : فلان كان صديقا لي . فيدله الحقّ عليه ، فيأتيه ويكلّمه في بابه ، فيقول : بلى ، لي عبادات كثيرة قبلها اليوم فقد وهبتك منها ، فيسير هذا العبد ويجئ إلى موضعه ، ويخبر ربّه بذلك ، فيقول اللّه - سبحانه : قد قبلتها منه ، ولن أنقص من حقّه شيئا ، وقد غفرت لك وله ، وهذا معنى قوله : « فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ » قوله جل ذكره : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 105 إلى 111 ] كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ( 105 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 106 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 107 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 108 ) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ( 109 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 110 ) قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ( 111 ) ذكر قصة نوح وما لقى من قومه ، وأنهم قالوا : - « قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ؟ » إنّ أتباع كلّ رسول إنما هم الأضعفون ، لكنهم - في حكم اللّه - هم المتقدّمون الأكرمون . قال عليه السلام : « نصرت بضعفائكم » . وإنّ اللّه أغرق قومه لمّا أصرّوا واستكبروا . وكذلك فعل بمن ذكرتهم الآيات في هذه السورة من عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين . . كلّ منهم قابلوا رسلهم بالتكذيب ، فدمّر اللّه عليهم أجمعين ، ونصر رسوله على مقتضى سنّته الحميدة فيهم . وقد ذكر اللّه قصة كل واحد منهم ثم أعقبها بقوله : - [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 122 ] وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 122 ) « الْعَزِيزُ » : القادر على استئصالهم ، « الرَّحِيمُ » الذي أخّر العقوبة عنهم بإمهالهم ، ولم يقطع الرزق مع قبح فعالهم .

--> ( 1 ) هكذا في م وص وهي صحيحة مقبولة في المعنى والسياق ؛ غير أننا لا نستبعد أنها ربما كانت في الأصل ( صديق وفيّ ) حيث تقابل ما جاء في الآية ( صديق حميم ) فالبحث يومئذ يكون عن الصديق الوفي الحميم . م ( 2 ) لطائف الإشارات - ج 3 -