ابو القاسم عبد الكريم القشيري
142
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 14 ] فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 ) قاس من الهوان ما استوجبته بعصيانك ، واخلد في دار الخزي لما أسلفته من كفرانك . قوله جل ذكره : [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 15 ] إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 15 ) التصديق والتكذيب ضدان - والضدان لا يجتمعان ؛ التكذيب هو جحود واستكبار ، والتصديق هو سجود وتحقيق ، فمن اتّصف بأحد القسمين امّحى عنه الثاني . « خَرُّوا سُجَّداً » : سجدوا بظواهرهم في المحراب ، وفي سرائرهم على تراب الخضوع وبساط الخشوع بنعت الذبول وحكم الخمود . ويقال : كيف يستكبر من لا يجد كمال راحته ولا حقيقة أنسه إلا في تذللّه بين يدي معبوده ، ولا يؤثر آجل جحيمه على نعيمه ، ولا شقاءه على شفائه ؟ ! قوله جل ذكره : [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 16 ] تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 16 ) في الظاهر : عن الفراش قياما بحقّ العبادة والجهد والتهجد ، وفي الباطن : تتباعد قلوبهم عن مضاجعات الأحوال ، ورؤية قدّر النفس ، وتوّهم المقام - فإن ذلك بجملته حجاب عن الحقيقة ، وهو للعبد سمّ قاتل - فلا يساكنون أعمالهم ولا يلاحظون أحوالهم . ويفارقون مالفهم ، ويهجرون في اللّه معارفهم . والليل زمان الأحباب ، قال تعالى : « لِتَسْكُنُوا فِيهِ » * : يعنى عن كلّ شغل وحديث سوى حديث محبوبكم . والنهار زمان أهل الدنيا ، قال تعالى : « وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً » ، أولئك قال لهم : « فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ » :