ابو القاسم عبد الكريم القشيري

139

لطائف الإشارات

صحبة الجيب مع الحبيب ألذّها ما كان مقرونا بفقد الرقيب . قوله جل ذكره : [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 4 ] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 4 ) وتلك الأيام خلقها من خلق غير الأيام ، فليس من شرط المخلوق ولا من ضرورته أن يخلقه في وقت ؛ إذ الوقت مخلوق في غير الوقت « 1 » . وكما يستغنى في كونه مخلوقا عن الوقت استغنى الوقت عن الوقت . « ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ » ليس للعرش من هذا الحديث إلا هذا الخبر ؛ استوى على العرش ولكن القديم ليس له حدّ ، استوى على العرش لكن لا يجوز عليه القرب بالذات ولا البعد ، واستوى على العرش ولكنه أشدّ الأشياء تعطّشا إلى شظية من الوصال لو كان للعرش حياة ؟ ، ولكنّ العرش جماد . . وأنّى يكون للجماد مراد ؟ ! استوى على العرش لكنه صمد بلا ندّ ، أحد بلا حدّ . « ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ » : إذا لم يرد بكم خيرا فلا سماء عنه تظلّكم ، ولا أرض بغير رضاه تقلّكم ، ولا بالجواهر أحد يناصركم ، ولا أحد - إذا لم يعن بشأنكم في الدنيا والآخرة - ينظر إليكم . قوله جل ذكره : [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 5 إلى 6 ] يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 5 ) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 6 ) خاطب الخلق - على مقدار أفهامهم ويجوز لهم - عن الحقائق التي اعتادوا في تخاطبهم . « ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ » « الْعَزِيزُ » مع المطيعين « الرَّحِيمُ » على العاصين . « الْعَزِيزُ » للمطيعين ليكسر صولتهم « الرَّحِيمُ » للعاصين ليرفع زلّتهم .

--> ( 1 ) لأن الزمان سرمد لا يرتبط بالوقت ولا يقتطع به .