ابو القاسم عبد الكريم القشيري
128
لطائف الإشارات
ينظرون إلى اللّه . وشرط المحسن أن يكون محسنا إلى عباد اللّه : دانيهم وقاصيهم ، ومطيعهم وعاصيهم . « الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ » : يأتون بشرائطها في الظاهر من ستر العورة ، وتقديم الطهارة ، واستقبال القبلة ، والعلم بدخول الوقت ، والوقوف في مكان طاهر . وفي الباطن يأتون بشرائطها من طهارة السّرّ عن العلائق ، وستر عورة الباطن بتنقيته عن العيوب ، لأنها مهما تكن فاللّه يراها ؛ فإذا أردت ألا يرى اللّه عيوبك فاحذرها حتى لا تكون . والوقوف في مكان طاهر ، وهو وقوف القلب على الحدّ الذي أذنت في الوقوف فيه مما لا تكون دعوى بلا تحقيق ، ورحم اللّه من وقف عند حدّه . والمعرفة بدخول الوقت فتعلم وقت التذلّل والاستكانة ، وتميز بينه وبين وقت السرور والبسط ، وتستقبل القبلة بنفسك ، وتعلّق قلبك باللّه من غير تخصيص بقطر أو مكان . قوله جل ذكره : [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 5 ] أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) الذين يقومون بشرط صلاتهم وحقّ آداب عبادتهم هم الذين اهتدوا في الدنيا والعقبى فسلموا ونجوا . قوله جل ذكره : [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 6 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 6 ) « لَهْوَ الْحَدِيثِ » : ما يشغل عن ذكر اللّه « 1 » ، ويحجب عن اللّه سماعه . ويقال : هو لغو الظاهر الموجب سهو الضمائر ، وهو ما يكون خوضا في الباطل ، وأخذا بما لا يعنيك .
--> ( 1 ) اعتاد كثير من المفسرين أن يفسروا اللهو هنا ( بالغناء ) ، لأجل هذا نلفت النظر إلى عدم صرف القشيري المعنى في هذا الاتجاه ، لأننا نعلم من مذهبه أنه لا يرى بأسا في سماع الغناء ولكن بشرط أن يحرك الوجدان نحو غاية سامية في السماع ، وألا يبعث فيها الهوى والمجون ، وألا يكون مصحوبا بشئ محرّم . ( أنظر كتابنا : الإمام القشيري ونزعته في التصوف ) ط مؤسسة الحلبي .